الاثنين، 12 مايو 2008


الطريق الى الكتابة لماذا نكتب ؟ ولمن ؟ وكيف ؟

عبدالامير غلام

انها لمفارقة حقا عندما نقارن بين حجم ماكتب بمختلف اللغات منذ اقدم الازمنة وحتى الآن ، وحجم ما كتب خصيصا بشأن عملية الكتابة ذاتها ، اذ ليس هناك اي وجه للمقارنة ، مثلما لايمكن مقارنة حبة رمل بصحراء واسعة . صحيح ان هناك الكثير من الكتب المهمة في قواعد اللغة والبلاغة ومعاني الكلمات واساليب الانشاء ، ولكنها للاسف تشبه وجبة طعام ليس لها وصفة لمزجها وصنعها بشكل مفيد بهذة السطور وتحت عنوان ( الكلمة لون وجرس ورائحة ) قدم الكاتب والصحفي علي دنيف حسن لكتابه - الطريق الى الكتابة - الصادر عن دار منشورات الحنش مؤكدا على انه ليس الطريق الوحيد للكتابة قطعا ، ولكنه يطمح باكتماله على ايدي سالكيه من خلال الممارسة والمثابرة والتجربة والأمل . كما لايدعي الكاتب انه قد اتى بما لم تؤتي به الأوائل فهو يعترف ان (كل ما جئنا به ليس اكثر من احاديث تداولناها مرارا مع اساتذتنا واصدقائنا واستقيناها من التجربة العملية ، ولم نفكر انها في يوم ما ستتحول الى كتاب قد ينفع البعض ). ويمكن القول ان الجهد الواضح الذي بذلك المؤلف في كتابه هذا يصب في منطقة اشتغال تركت منذ زمن بعيد جدا ، ولم يشتغل عليها احد في عصرنا الحديث ، حسب علمنا المتواضع ، ، وهي المنطقة التي اشتغل عليها المبدعون العرب الاوائل مثل ابن قتيبة الدينوري في كتابه ( ادب الكاتب ) والجاحظ في ( البيان والتبيين ) وابن الاثير في ( المثل السائر في ادب الكاتب والشاعر ) والقلقشندي في ( صبح الأعشى في صناعة الانشا ) ، فضلا عما توافرت عليه بعض الكتب من اشارات ونصائح في صنعة الكتابة لاسيما ما جاء في مقدمة (كشف الظنون ) لحاجي خليفة.
الكتابة فعل اتصالي
يقع الكتاب في خمسة فصول تناول المؤلف في الفصل الاول منها عملية الكتابة بوصفها فعلا اتصاليا موضحا ان الكتابة ماهي الا رسالة اتصالية علينا معرفة اركانها او مقوماتها الخمس وهي المرسل ( الكاتب ) والرسالة ( الموضوع المكتوب ) والوسيلة ( الكتاب او الجريدة او اي وسيلة اخرى ) والمتلقي ( القارئ ) ورجع الصدى ( ردود الافعال تجاه الكتابة ) ، وهي العناصر التي على الكاتب ان يدرك طبيعتها قبل ممارسة الكتابة في اي شأن . ويقول المؤلف لايكفي ان يكون لديك ما تريد قوله فقط ، لأن الأمر يحتاج الى امكانات اخرى ، ولولا هذه الامكانات لاصبح كل الناس كتابا لامعين . كما تضمن هذا الفصل ما اجاب به كتاب كبار مثل البرتو مورافيا وفرانسوا ساغان وروفائيل البرتي وماركيز ونجيب محفوظ وغيرهم عندما سئلوا : لماذا تكتبون ؟ . وينصح المؤلف بالآتي:
*لكي تصبح كاتبا ، يجب ان يكون لديك ما تقوله
*يجب ان يتصف قولك بالاهمية وان يكون جديدا وليس فيه اعادة او تكرار ممل
*يجب ان تعرف كيف تعبر عما تريد قوله بدقة ووضوح وباختصار
*يجب ان يكون قولك موجها لشخص او لجمهور معين
*يجب ان يستند قولك الى تجربة عشتها او حقيقة اكتسبتها او الى معلومات حصلت بشكل ما عليها
*يجب ان تضع قولك في اطار ( قالب ) ادبي وفني متعارف عليه (قصيدة ،قصة ،مقال ،مسرحية ،عمود صحفي ، مقال نقدي ، بحث او دراسة ، كتاب مفصل او مختصر ، وما الى ذلك من قوالب الفنون الابداعية
*يجب ان ينسجم قولك مع شروط ومحددات القالب الموضوع فيه ، اذ ان لكل قالب شروطا ومحددات لايمكن تجاوزها لاسيما بالنسبة للكاتب المبتدئ ،اذ لايصح ان تضع فكرة تصلح لان تكون عمودا صحفيا في قالب قصيدة على سبيل المثال
*يجب ان تجد وسيلة ما لنشر ما تريد قوله ، وان تتناسب الوسيلة مع حجم الجمهور الذي تود ايصال قولك اليه ، وكذلك مع الوقت والمكان المفترضين للوصول القراءة اولا اما الفصل الثاني من الكتاب فقد خصصه المؤلف لدور القراءة المهم في صنع الكاتب المحترف وجاء تحت عنوان القراءة اولا .. لكي تصبح كاتبا ممتازا عليك ان تكون قارئا ممتازا ويرى ان القراءة تنمي الفكر والابداع وتصقل المهبة وتشبع فضول الانسان وتمده بالمعلومات وترفه عنه وتسليه وتمنحه تخصصا معينا و لو سألت اي كاتب عن بداياته لقال لك : لقد كنت اقرأ الكثير من الكتب والمطبوعات الاخرى ، فكل الكتاب والمؤلفين خرجوا من رحم القراءة . ويشير المؤلف الى ان القراءة يجب ان تنحصر في قراءة الكتب المتعلقة بعدة الكتابة مثل كتب النحو والبلاغة والأملاء والانشاء و بالأختصاص المعرفي للكاتب وبما يتعلق بسيرة وحياة الكتاب والمؤلفين ، لاسيما بالحوارات التي اجريت معهم . ويتضمن هذا الفصل كذلك انواع القراءة ، اذ يصنفها المؤلف الى قراءة عشوائية ومنهجية وعميقة وسريعة وتحليلية . وعن القراءة العميقة يقول المؤلف هي افضل انواع القراءة واقدرها على تعميق ثقافة وفكر الكاتب لاتصافها بالتامل الدقيق في النص المقروء والبطء الشديد في هضم الافكار الواردة فيه وتلخيص ما ورد فيه من آراء ومعلومات وكتابتها في دفتر خاص.فقراءة كتاب ممتاز لخمسة مرات هو افضل بلا شك من قراءة عشر كتب ضئيلة المادة . كما ان قراءة وحفظ ثلاث صفحات مهمة في علم ما هي افضل من قراءة كتب كثيرة لايبقى منها في الذاكرة اي شئ . ان معرفة الكاتب بما يجب عليه ان يقرأه امر في غاية الاهمية ، اذ من خلال ذلك يكتسب المهارات اللازمة لعمله بسرعة قياسية بدلا من بقائه دائرا في حلقة مفرغة . ويمكن للكاتب تأشير الكتب المهمة من خلال قراآته ومن خلال احتكاكه باصحاب الشأِن هذا
لاتكن نحلة!!
يتحث المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب عن اهمية التخصص المعرفي وضرورته في حياتنا المعاصرة ، لاسيما بعد توسع وتفرع مختلف العلوم والفنون والاداب . فمن سمات عصرنا الراهن فضلا عن ذلك كثرة المشاغل والحاجات وضيق الوقت ، وهو مايجعل الانسان غير قادر على الاحاطة بكل شئ .ثم يوضح الاختلاف بين الحقول الابداعية في مجال الكتابة من حيث الشكل والاسلوب والخيال والموضوعية والمفاهيم ومن ناحية المبدعين في هذه الحقول بشكل مختصر ومكثف . بعد ذلك يتساءل ما الجديد في الكتابة ؟ ويجيبنا المؤلف عن هذا السؤال بالعودة الى كتاب ( كشف الظنون ) الذي اجاب فيه حاجي خليفة عن السؤال نفسه قائلا : يقول حاجي خليفة : ( ثم إن التأليف على : سبعة أقسام لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها وهي : إما شيء لم يسبق إليه فيخترعه أو : شيء ناقص يتممه أو : شيء مغلق يشرحه أو : شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه أو : شيء متفرق يجمعه أو : شيء مختلط يرتبه أو : شيء أخطأ فيه مصنفه فيصلحه وينبغي لكل مؤلف كتاب في فن قد سبب إليه : أن لا يخلو كتابه من خمس فوائد استنباط شيء كان معضلا أو : جمعه إن كان مفرقا أو : شرحه إن كان غامضا أو حسن نظم وتأليف وإسقاط حشو وتطويل وشرط في التأليف : إتمام الغرض الذي وضع الكتاب لأجله من غير زيادة ولا نقص وهجر اللفظ الغريب وأنواع المجاز اللهم إلا في الرمز والاحتراز عن إدخال علم في آخر وعن الاحتجاج بما يتوقف بيانه على المحتج به عليه لئلا يلزم الدور.
ما قبل الكتابة
من خلال هذا الفصل نتعرف على بيئة الكتابة ومقوماتها بعد ان يشرح المؤلف مصادر المعلومات وطرق جمعها والتعامل معها في عملية الكتابة . ويرى ان المقومات الفنية تتكون من الالمام بقواعد الاملاء و اللغة العربية والتعرف على اطر البلاغة والاساليب الابداعية ورفع درجة الاحساس بايقاع النص ، ثم يتحدث عن بعض امزجة الكتاب وعاداتهم اثناء ممارسة الكتابة . وفي الجوانب المادية يتحدث عن ضرورة امتلاك بعض الكتب المهمة التي يحبذ ان تكون قريبة من يد الكاتب باستمرار مثل المعاجم والموسوعات والكتب التعلقة باختصاصه المعرفي ، فضلا عن التعرف على الاشخاص المشابهين للكاتب في اختصاصه . وفي ختام هذا الفصل يرى المؤلف ان هناك جوانب اخرى على الكاتب معرفتها على الرغم من بساطتها فيقول:
1-لاتكتب على وجهي الورقة واحرص على ان يكون الورق الذي تستخدمه من صنف واحد وان يكون بحجم a - 4 وان تكون الصفحات مرقمة حسب التسلسل ومربوطة بدبوس من الاعلى منعا لتبعثرها وتاكد ان الخط الجميل المعتنى به يجذب الناشر ويساعده على قراءة موضوعك ومن ثم البت في امره
2-لاتزوق كتاباتك باستعمال الاقلام الملونة ولاترسم في حواشيها اية رسوم او زخارف . فبعض الناشرين يرى في هذا الاجراء محاولة منك للتغطية على ضعف الموضوع وهشاشته ، او انه دليل على كونك كاتبا مبتدئا
3-انسخ من موضوعك نسخا عديدة قد تحتاج اليها فيما لو لم ينشر الموضوع او تعرض للتشويه او تعرضت بسببه للمسائلة القانونية او اية تداعيات اخرى
4-في الصحافة لاتلح على نشر مواضيعك ، فليس اكره لدى المشرفين على النشر من الكتاب اللحوحين
5-احتفظ بارشيف تاريخي لمواضيعك المنشورة في الصحف والمجلات فسياتي اليوم الذي تحتاجها فيه عليك ان تتعلم منذ ألآن التقنيات الحديثة في الكتابة والمراسلة والنشر عبر الوسائل الالكترونية ، فجميع وسائل النشر تحبذ نشر المواضيع التي تصلها عبر بريدها الالكتروني لانها منضدة الحروف ولا تحتاج الا لقليل من الوقت لنشرها ، على عكس تلك التي تصل وهي مكتوبة بخط اليد ويلزمها وقتا طويلا لتهيئتها للنشر . كما ان بامكانك ارسال مختلف الرسائل خلال لحظات عبر البريد الالكتروني على عكس البريد العادي الذي يلزمه الكثير من الوقت لفعل ذلك . ويبحث في هذا الفصل ايضا عن طرق النشر وسلبيات وايجابيات كل واحد منها محطات الكتابة يصل بنا المؤلف في الفصل الخامس والاخير من كتابه الى محطات الكتابة التي عدها خمسا في تقديره وهي : الاعداد - الكتابة - المراجعة - النشر - رجع الصدى . وفي محطة الكتابة يصنف المؤلف المواضيع المكتوبة استنادا الى غاياتها الى : مواضيع العرض والتوثيق ، مواضيع التحليل والتفسير ، المواضيع الجدلية والمواضيع الادبية مبينا ابرز الفروقات فيما بينها . ثم ينتقل الى كتابة العنوان مبتدئا بتوضيح وظائفه ومشيرا الى شروط العنوان الناجح ومصادر الاثارة في العناوين والفروقات الرئيسة بين عناوين البحوث والاجناس الادبية والصحفية موضحا ذلك بالامثلة المناسبة . بعد ذلك ينتقل الى كيفية كتابة المقدمة وانواع المقدمات واساليبها ووظائفها ليصل الى كتابة فحوى الموضوع والشروط الاساسية اللازمة لذلك . بعدها يشرح بايجاز كيفية كتابة الخاتمة قائلا لكل شئ خاتمة ، ويقال ختامها مسك ، وهذا ما يجب ان تكون عليه خاتمة الموضوع . ويشترط في الخاتمة ان تكون قصيرة وموجزة ومكثفة وجذابة كالمقدمة ، وان يتناسب حجمها مع حجم الموضوع ، وينطبق عليها بشكل عام شروط ومواصفات المقدمة وان تترك اثرا لاينسى في ذاكرة القارئ من خلال التقاطة مهمة او مفارقة ذكية او لمحة مشاكسة او الخروج بنهاية لم تكن في حسبان القارئ . وغالبا ماتتكون الخاتمة من بعض هذه الفقرات او جميعها رأي الكاتب الشخصي او مقترحاته او حلوله اوتوصياته او دعوته للنظر في المشكلة وابعادها
ملخص سريع ومكثف لجوهر الموضوع وابعاده
دعوة لمناقشة الموضوع من قبل المعنيين به نظرا لاهميته مقارنة المشكلة بمشكلة محلية او اقليمية او دولية مشابهة . وقد تكون الخاتمة متصلة مع الموضوع في المواضيع القصيرة ومنفصلة وواضحة في المواضيع الطويلة لاسيما البحوث والدراسات . وقد تكتب تحت احد هذه المسميات ( الخلاصة - المعالجات والتوصيات - كلمة اخيرة - ختاما - واخيرا ، وغيرها مختارات ونصائح اخيرة وتضمن الكتاب في صفحاته الاخيرة مقالات عدة اختارها المؤلف لانها تتصف بالتنوع والحداثة وتساعد على تحقيق اهداف الكتاب ، فضلا عن انها لكتاب من مختلف البلدان العربية وهم علي حسن الفواز من العراق واحمد فضل شبلول من مصر وعبد الوهاب الملوح من تونس ومعز الباي من المغرب وخولة القزويني من الكويت وعائض القرني من السعودية وسيامند ابراهيم من سوريا .




ليست هناك تعليقات: