الثلاثاء، 22 أبريل 2008




في ضيافة مجلس الغبان
محفل ثقافي لا يعرف الطائفية ويتميز بحضور النساء

زاره :علي دنيف حسن
( انت تجلس في مكان الدكتور المرحوم ابراهيم الوائلي، اما صديقك فيجلس في مكان العلامة المرحوم جلال الحنفي ). بهذه العبارات بادرنا الشاعر محمود جواد الغبان بعد استقباله لنا في منزله الواقع في جانب الرصافة ببغداد.

(هذه الصالة التي تجلسون فيها ) يقول الغبان، (هي نفسها التي كان يعقد فيها مجلسي المسمى بـ”مجلس الغبان“، والذي ضم في جلساته الاسبوعية التي كانت تقام يوم الاحد من كل اسبوع نخبة طيبة من العلماء والادباء والمثقفين الاوائل طوال اكثر من اربعين عاماً. )
ويواصل الغبان حديثه بنبرة حزينة مشيرا الى المقاعد : - هذا مكان الدكتور علي الوردي، وهنا كان يجلس العلامة الدكتور حسين علي محفوظ، و.. وتتفجر الذكريات فتتصاعد سحب الحزن والمرارة، ونرى الصالة فارغة الامن الغبان نفسه وهو يقلب دفتر ايامه الخوالي، فتسيطر علينا مشاعر الرهبة ويتسلل الاسف والصمت الى نفوسنا.



الكتب الناطقة
يقول الغبان وهو يفرك احجار مسبحته بشيء من المرارة:
لقد نشأت في بيئة علمية، ادبية في النجف. وتمتاز المدينة فضلا عن وجود الحوزة العلمية فيها بوجود المجالس العلمية والادبية والاجتماعية التي تكاد ان تكون موجودة في كل بيت. فالتجار كانت لهم مجالسهم وكذلك العمال والكسبة وطلبة العلم وغيرهم. لقد كانت الثقافة سمة واضحة للمدينة واهلها، كما ان وجود الحوزة لعلمية فيها جعلها تتقدم تقدماً واضحاً في هذا المجال.
ولقد فتحت عيني بالاساس على مجلسين هما مجلس والدي الشيخ عبدالكاظم الغبان، ومجلس خالي المرجع الديني الشيخ محمد علي اليعقوبي. وبدأت تربيتي في هذين المجلسين، فضلا عن المجالس الاخرى التي كنت ارتادها في مدينة النجف، وكذلك الجمعيات الادبية وابرزها جمعية الرابطة الادبية تأسست عام 1932 وجمعية منتدى النشر تأسست عام 1935.
ولقد زادتنا تلك المجالس والجمعيات ثقافة ووعياً منذ طفولتنا المبكرة، جنباً الى جنب الكتب التي قرأناها في تلك المرحلة، ولهذا اسمي المجالس بالكتب الناطقة، فالمتابعون في ذلك الوقت لايقرأون الكتاب فقط بل يناقشونه في مجالسهم.
واحب ان اضرب لكم مثلا عن مدى انفتاح مدينة النجف التي كان يشاع عنها انها مغلقة، فعندما صدر ديوان ايليا ابو ماضي”الطلاسم“ وهو ديوان يتبنى نزعة اللا ادرية ”لست ادري“، وهي نزعة مرفوضة من قبل المتدينين، ووزع الكتاب في النجف واقتناه الكثيرون ولم تكتفي النجف بذلك فقامت بطبع الكتب في مطابعها الخاصة في العام 1935. وهو ما يدل على انفتاح المدينة لا على انغلاقها.



مجلس الغبان
وعن بداية مجلسه الخاص واصل الغبان الحديث قائلا:
في منتصف الخمسينيات انتقلت من مدينة النجف الى العاصمة بغداد، وسكنت في منطقة الكرادة الشرقية، وفتحت مجلسي امتداداً لمجالس النجف.
واستمر مجلسي في التألق والازدهار اذ كان يرتاده نخبة من العلماء والادباء والمثقفين، وفي سنواته الاخيرة كان يرتاده الشيخ المرحوم جلال الحنفي، والدكتور المرحوم ابراهيم الوائلي، والعلامة الدكتور حسين علي محفوظ، والاستاذ عادل السبع وعبدالغني الحبوبي وعبدالحميد الرشودي والدكتورة وديعة الشبيبي والشاعرة لميعة عباس عمارة والاستاذ صادق القاموسي وتحية الخطيب وعبدالرسول الحبشي وآخرون لا تحضرني اسماؤهم.
وذاع صيت المجلس في عموم العراق فكانت تزوره وفود من مختلف محافظات ومدن العراق، خاصة من النجف والبصرة وقضاء سوق الشيوخ، وكان البعض يلقي نتاجه الادبي في المجلس لنطلع عليه ونناقشه. وكنا نبتعد عن ذكر السياسة بشكل كامل وخاصة في العقود الاخيرة من عمر المجلس.
وما بين العام 1962 ـ 1963 انتقلت الى هنا وواصل المجلس تألقه وازدهاره.
ومع مطلع الثمانينيات امتدت شهرة المجلس الى البلدان العربية.
فزارته نخبة كبيرة من الادباء والمثقفين العرب”ويشير الغبان الى الصور المعلقة على جدران الصالون ثم يواصل حديثه“ اذكر من هؤلاء عميد كلية العلوم في القاهرة، والدكتور محمد عبدالمنعم الخفاجي رئيس رابطة الادب العربي في القاهرة، والدكتور عبدالعزيز شرف رئيس جماعة ابولو الادبية في القاهرة وشاعر الاسكندرية عبدالعليم القباني، وسعد درويش وكيل وزارة الثقافة المصرية، والشاعرة الاردنية عائشة الخواجا والشاعرة المصرية وفاء وجدي وزينب ابو النجا والشاعر احمد سويلم والشاعرة مليكة العاصم ومنير عبدالتواب مدير اذاعة صوت العرب ووديع فلسطين من جيل العقاد وطه حسين وكامل السواحيري من فلسطين وباسمة باطولي ورشيد الذوادي من تونس واسمهان صيداوي رئيسة تحرير مجلة حقائق في باريس وعبدالعليم عيسى واخرين لا اتذكر اسماءهم حالياً.
ووصلت شهرة المجلس الى دول المهجر، فوصلتنا رسائل تهنئة واشادة من الشاعر الياس قنصل المغترب في الارجنتين ومن الشاعر فارس بطرس المغترب في البرازيل. حدث هذا في الثمانينيات. وكانت ذروة ذلك عندما نشر الشاعر الياس قنصل قصيدة في تحية الندوة ”المجلس“ على صفحات جريدة الاهرام المصرية بتاريخ 15 / 9 / 1990 وارسل الينا نسخة من الجريدة الى بغداد. فقمت بشكره وتحيته بقصيدة على نفس الوزن والقافية قمت بنشرها في جريدة الاهرام ايضا. وصنعت قصيدة قنصل ملحمة شعرية اذ بادر الكثير من رواد المجلس بتحيته في قصائد لها الوزن والقافية نفسها.
وما علي ذكره هو ان هناك العديد من المجالس الادبية الاخرى التي عاصرت مجلسي في فقرات مختلفة، وتنوعت في روادها وتوجهاتها اتذكر منها مجلس السيد مكي السيد جاسم في منطقة الداودي، ومجلس عبدالمجيد القصاب في الكرخ ومجلس الشعر باف ومجلس الاديب عبدالرزاق محيي الدين ومجلس شرقية الراوي.



حدائق العلماء
يؤكد الغبان ان ما ميز مجلسه عن المجالس الاخرى هو وجود المكتبة، فبالرغم من فقدانه العديد من الكتب النادرة في اوائل الستينيات بسبب الاعارة الا انه واصل اقتناءالكتب حتى اصبحت له مكتبة عامرة بامهات المصادر والموسوعات، وقد افاده عمله كأول مدير لمكتبة جامع الخلاني عام 1955 في زيادة خبرته في الفهرسة والتنظيم. وترتفع رفوف مكتبة الغبان من الارض باتجاه السقوف، وما من جدار في مكتبه الا وعليه عشرات الكتب المصفوفة بعناية ودقة.
في احد اطراف المكتبة هناك سريره الذي ينام عليه وبجانبه منضدة صغيرة محملة بشتى اصناف الادوية التي اخذ يتعاطاها لكبر سنه، وتتوسط المكتبة قطعة معدنية صغيرة كتب عليها” قال الامام علي عليه السلام :” الكتب حدائق العلماء “ والقطعة المذهبة اهديت له من قبل احد رواد المجلس، وقريبا من ذلك صورة شخصية له مرسومة بقلم الرصاص رسمها” لبيد “ نجل العلامة المرحوم جلال الحنفي. وعندما انتقلنا الى المكتبة التي تقع بجوار المجلس ويدخل اليها عبر باب صغير مقوس واصل الغبان حديثه بحماس اكثر وكأنه يستمد قوة غامضة من روح العلوم والفنون والاداب التي تنبعث من جلال المجلدات الضخمة والمصفوفة في كل مكان:
ـ كان المجلس ينعقد مابين الساعة السابعة مساءً والساعة الواحدة ليلاً، وكان الجالسون يتحاورون في شتى اصناف المعرفة والثقافة، وكانت كتب المكتبة رافدنا وفيصلنا في حل اي غموض او اشكال، فما ان يحتدم النقاش بيننا حول قضية ما حتى اطلب من ولدي”مازن “ احضار كتاب له علاقة بالقضية، فيحضره ولدي في اقل من دقيقة وسط دهشة الحاضرين، والسبب يعود الى دقة فهرسة مواضيع المكتبة، وكما ترى فالمكتبة تضم كتباً نادرة وثمينة انظر” ويشير الغبان بيده نحو احد الرفوف “ هذا كتاب تاج العروس باربعين مجلد، وهذا تاريخ الطبري بجميع مجلداته، وذاك دائرة المعارف الاسلامية، وذاك كشف الظنون لحاجي خليفة وهنا الاعلام للزركلي والمعجم الكبير للمجمع العلمي في القاهرة، اما هناك” ويتقدم نحو رف اخر “ هذه مؤلفات طه حسين كاملة وكذلك العقاد وجبران خليل جبران ولدي اكثر من 1500 ديوان شعر من الدواوين المهمة، وهي فضلا عن ذلك تضم الكثير من الموسوعات والمعاجم ودوائر المعارف.
” ويواصل الغبان حديثه باسماً هذه المرة “.
واحب ان اروي لك موقفا طريفا بشأن المكتبة، فذات مرة دخل علي صديقي الدكتور المرحوم علي الوردي وهو يسأل عن كتاب” تاريخ التربية والتعليم عند الشيعة “ لمؤلفه عبدالله الفياض، بعد ان بحث عنه في جميع المكتبات، واصيب بالذهول عندما وضعت ذلك الكتاب المذكور بين يديه، فهم بالخروج واخذ الكتاب معه فامسكت به من يده وقلت له: الى اين، لن تأخذ الكتاب معك. فقال: لدي عمل طويل فيه، فقلت له: لن يخرج الكتاب من المكتبة، اجلس هنا وانقل منه ما تريد، وسأوفر لك وسائل الطعام والشراب حتى لو بقيت شهراً كاملاً في منزلي، فألح علي كثيراً، ولكني رفضت فأذعن للأمر وجلس ينقل ما يريد الاستشهاد به في بحوثه ودراساته.
وبهذه الطريقة حافظت على مكتبتي من الضياع اذ كنت وما أزال من المعادين لظاهرة اعارة الكتب للاخرين.



نشاطات المجلس
كان علينا ان نسأل الغبان عن نشاطات مجلسه الاخرى، بعد ان قام باحضار ملف كبير”بوكس فايل“ يضم قصاصات الصحف والمجلات التي كتبت عن المجلس وبعد تصفحنا لذلك الملف اجاب الغبان قائلاً:
لقد قمنا بزيارات كثيرة للمجالس الاخرى وللادباء والمثقفين العراقيين في منازلهم، وبقيت في ذاكرتي تفاصيل زيارة وفد المجلس للمطرب المرحوم محمد القبنجي في منزله.
وكان القبنجي قد شكا لاحدى الصحف عن عزلته وعدم اهتمام الناس به، بعد ان كان بلبل العراق، فقررنا القيام بزيارته لإيناسه في وحدته، وما ان صافحني ثم صافح الصديق الاخر من بعدي حتى انخرط بالبكاء المرير، وقد كانت زيارة لاتنسى كتبت عنها الصحافة العراقية والعربية في وقتها.
كما قام المجلس باحياء ذكرى الشخصيات الادبية والثقافية وخاصة لمن فقدهم المجلس من رواده وزائريه، امثال ابراهيم الوائلي، وصادق القاموسي صاحب المكتبة العصرية، والشيخ اليعقوبي بمناسبة مرور قرن على رحيله، والشيخ الشبيبي لمناسبة مرور ربع قرن على رحيله ايضا وغيرهم ممن لاتسعفني ذاكرتي على حضورهم.



آخر الاسئلة
لكل بداية نهاية كما يقال كان علينا ان نختتم حديثنا مع الشاعر محمد جواد الغبان باسئلة اخيرة، كان اولها عن مشاركة النساء في المجلس فأجاب قائلاً:
ـ لقد كان للمرأة المثقفة والادبية حضور واضح في مجلسنا واتذكر من النساء، الدكتورة اديبة الشبيبي والشاعرة لميعة عباس عمارة وتحية الخطيب.
*وهل كنتم تقدمون اطعمته او اشربة للضيوف، خاصة وانتم تقضون مدة طويلة في الحوار والنقاش؟
ـ لقد كنا نقدم اثناء الجلسات خبز العروك والشاي والمشروبات الغازية والعصائر والشرابت المختلفة.
*وهل كان لدى رواد المجلس مشاعر طائفية او عرقية او اي شيء من هذا القبيل؟
ـ كلا، لقد عشنا وتربينا في بيئة طاردة لمثل هذه الافكار والنزعات، ولم اكن اسأل وكذلك ضيوف المجلس عن مذهب هذا او قومية ذاك. ولم تفرقنا تلك الهويات الفرعية ابداً. لقد كنا مجموعة واحدة تجمعها الثقافة والمعرفة وحب الانسان والوطن وحتى هذه اللحظة لا ارغب في ان افكر هل كان ذلك الضيف سنياً ام شيعياً، مسلماً ام مسيحياً، كردياً ام عربياً. كان سؤالنا الوحيد عن عمق المعرفة ومستوى الثقافة والابداع في الكتابة فقط.



اخيراً
ـ قبل ان نودع الغبان ومكتبته العامرة، وذكريات مجلسه الشهير سألناه عن اخر جلسة للمجلس، فقال انه لايتذكر ذلك، وان المجلس قد توقفت جلساته بين عامي 1995 ـ 1996 بسبب شحة الكهرباء، وزيادة الضغوطات الامنية خاصة بعد ان نشرت احدى الصحف اللندنية موضوعا قالت فيه” ن المثقفين العراقيين يجدون متنفسا كبيرا من الحرية في مجلس الغبان “، ويضيف الغبان ان المجلس منذ ذلك اليوم بات مراقباً من قبل عناصر الامن فانفرط جمعه وتفرق شمله.
ونترك الشاعر محمد جواد الغبان في مجلسه وحيدا يقلب ذكريات الامس وتحدق عيناه في قصيدة مشجرة تبدأ ابياتها بحروف اسمه بالتسلسل، كتبها ذات يوم العلامة الدكتور حسين علي محفوظ في تحية المجلس ورواده الكبار.

الاثنين، 21 أبريل 2008


المظهــر الخارجي .. رســالة علنية قد تكون خاطئة


علي دنيف حسن


في نهاية القرن الثامن عشر كتب احد القناصل البريطانيين المقيمين في العراق رسالة الى حكومة الهند البريطانية يشرح فيها الاوضاع في العراق، ومما جاء فيها: ان عقول العراقيين في عيونهم، فهم يدركون قوة الشخص ونفوذه من خلال مظهره الخارجي، وفات هذا الرجل ان العراقيين ليسوا وحدهم الذين يتسمون بهذه السمة، اذ تشاركهم فيها شعوب كثيرة بعضها في غاية الحضارة. ويمكن عد المظهر الخارجي اول رسالة او هي الرسالة الدائمة والثابتة التي يبعثها اي شخص باستمرار، فهي تنم عن جوهره في كثير من الاحوال، ولكنها مع ذلك قد تكون رسالة غير حقيقية، اذ اثبتت التجارب الملموسة ان الكثير من حملة الحقائب الفاخرة، والكثير ممن يرتدون اربطة العنق اللامعة وكذلك الكثير ممن يحملون بايديهم اجهزة”موبايل “ غالية الثمن قد يكونون اميين وجهلة ولا يعرفون اي شيء عن الحياة والتاريخ والثقافة، هذا اذا لم يكونوا نصابين ومحتالين يتسترون تحت مظهرهم الخارجي.


حركات المودة
يمكن وصف المودة بعملية ملاحقة الناس لما يطرح في الاسواق، وما ينتشر في الحياة العامة من ملابس حديثة وسيارات واجهزة مختلفة من اخر طراز، فالبعض يحاول البقاء في القمة الاجتماعية من خلال ما يرتديه وما يستخدمه من ملابس واجهزة وكماليات اخرى لا تعد ولا تحصى كالعطور والسكائر والمجلات وادوات الحلاقة ومواد التجميل المختلفة.
ويرى الدكتور حاتم الكعبي صاحب كتاب”حركات المودة “ الصادر في اواسط سبعينيات القرن المنصرم ببغداد: ان الطبقات الغنية والمرفهة في اي مجتمع تبحث في الغالب عما يميزها عن عامة الناس، فتعمد الى ارتداء واقتناء كل ماهو نادر وغالي الثمن، ولكن الناس العاديين سرعان ما يحصلون على تلك الاشياء في محاولة منهم للتمظهر بالرقي الاجتماعي، عندها تصبح تلك المقتنيات عادية جدا، وتفقد بريقها فيعمد الاغنياء والمرفهون الى البحث عن مقتنيات جديدة، نادرة وغالية الثمن من جديد، ويتسابق الناس العاديون من جديد من اجل الحصول عليها، وهكذا تستمر حركات المودة في دورانها. ويمكن ملاحظة صدق ما ذهب الى الدكتور الكعبي في كتابه هذا، اذا ما تفحصنا واقع المجتمع العراقي، وما يظهر فيه من سلع وبضائع لها بريقها الخاص، ثم سرعان ما ينطفئ ذلك البريق فاسحا الطريق لسلع وبضائع اخرى، ومع هذا التبدل السريع نجد ان هناك اشخاصا همهم الوحيد هو الحصول على كل جديد وغالي الثمن مهما كلفهم الامر ذلك، وكأنهم يحاولون من خلال هذا السلوك تحقيق ما تحدث عنه القنصل البريطاني قبل اكثر من مائة عام، فهم لا يرون للسلطة والنفوذ طريقا غير الاهتمام بمظهرهم الخارجي.


ولعلم النفس رأي آخر
يرى الكثير من علماء النفس ان اعتداد الشخص بمظهره الخارجي بشكل صارخ ومبالغ فيه ما هو الا محاولة لتعويض النقص الذي يشعره ذلك الشخص في داخله، ولا يعني كون ذلك النقص نقصا حقيقيا او وهما يقترب من صورة وسمات المرض النفسي لدى ذلك الشخص. فالكثير ممن يطلقون شواربهم بكثافة ويجعلونها تصل حتى نهاية الذقن يحاولون اخافة الاخرين لانهم يشعرون بالخوف في دواخلهم، والكثير ممن يحملون الكتب السميكة والموسوعات والمعاجم الفاخرة ويضعون النظارات الطبية على عيونهم قد يعانون من نقص معرفي وثقافي بأبسط الامور.
وهناك الكثير ممن يحملون آلات موسيقية مختلفة اثبتت التجارب انهم لا يجيدون العزف عليها. وهناك الكثيرون ممن يتظاهرون بالكتابة في المقاهي والحافلات وفي اي مكان اخر، كشفت التجارب ايضا ان كتاباتهم غاية في الضحالة وهشاشة الاسلوب، وهناك عشرات الصور والمواقف و التجارب التي اثبتت المظهر الخارجي والسلوك المقترن به قد لا يدل بشكل حقيقي عن حقيقة وجوهر صاحبه.


تناقض واضح
لا يدل المظهر الخارجي عن الغنى والثراء الفاحش كما يتصور البعض من اللاهثين وراءه، فهناك الكثير من الاغنياء واصحاب الاموال الطائلة عاشوا مجمل حياتهم بمظهر يشبه مظهر المتسولين، بل كانوا لا يأكلون من الاطعمة الا ما يأبى اكلها افقر الفقراء، لما كان يتصف به هؤلاء من بخل شديد، بل ان بعضهم ضحى بصحته فكان لا يراجع طبيبا مختصا الا عندما يشارف على الموت، وكان بعضهم قد نام مرات عديدة في ردهات المستشفيات العامة الرديئة الخدمة من اجل ان يحافظ على امواله من الضياع، بل وصل الامر ببعضهم الى انهم كانوا يتراكضون وراء باص المصلحة وسط الجموع الغفيرة والفقيرة، ومات الكثير منهم من دون ان يقتني اية سيارة، ومثل هذه القصص متداولة في المجتمع العراقي، وتقص للفكاهة والتندر في المجالس العامة بشكل مستمر، وهي مع كل ما يقال عنها ظاهرة قديمة، اذ روى لنا الجاحظ في كتابه”البخلاء“ نوادر وطرائف كثيرة عن البخل والبخلاء ما يجعل الدموع تنسكب من الضحك والبكاء، فشر البلية ما يضحك ويبكي ايضا.
واذا كان البخل يعد من ألد اعداء المظهر الخارجي فان هناك ما يعد نقيضا له، لا سيما عندما يلهث البعض وراء المظهر على حساب متطلبات ضرورية مهمة، اذ ان هناك الكثير ممن يعجبنا مظهرهم الخارجي، يعيشون في بيوت وغرف لا تصلح للسكن الصحي، فهي آيلة للسقوط تملأ ساحاتها المياه وطفح المجاري عند هطول الامطار او من دون هطولها، كما ان مشكلة هؤلاء تتعمق عندما لا يعتنون ولا يهتمون بافراد عوائلهم بدءا من آبائهم وامهاتهم وبقية افراد العائلة، وقد تجد بعض ابنائهم في حال يرثى لها من ناحية المأكل والملبس، ولكنهم مع ذلك يحاولون المحافظة على مظهرهم الخارجي، وقد باع احدهم مبردة الهواء الوحيدة للعائلة في عز الصيف في سبيل شراء ملابس جديدة” آخر موديل“.


نعمة ونقمة
طاردت مجموعة من النشالين شابا انيقا يحمل حقيبة فاخرة و”موبايل“ حديثاً ويضع نظارات سوداء على عينيه، من منطقة الشورجة حتى ساحة الميدان، وفي الساحة انقضوا عليه وهم يشهرون اسلحة مختلفة دفعت عابري السبيل الى الهروب من المكان، ولكن المفاجأة كانت، ان الحقيبة التي يحملها الشاب لم تكن تحتوي الا على منشفة بائسة ونعال منزلي، اما الموبايل فكان مجرد هيكل عظمي خال من الحياة، ولم تكن جيوب الشاب تحتوي الا على نقود قليلة تكفيه لدفع اجرة العودة الى المنزل بالسيارات العامة، وامام هذه المفاجأة انهالت المجموعة على الشاب بالضرب بما تيسر لها بالايدي والارجل قائلين له: لقد كنا نتصور انك تاجر او مقاول او مدير عام، ولم نكن نتصور انك ليس اكثر من رجل مفلس.
فالمظهر الخارجي لا سيما المبالغ فيه جدا قد يجلب المصاعب والكوارث، فالكثير من عصابات التسليب تلتقط ضحاياها تبعا لمظهرهم الخارجي، ولما يحملونه في ايديهم من سلع وبضائع وحاجيات، وبقدر ما يشعر الشخص بالفخر والراحة لاناقته المفرطة، فان تلك الراحة قد تصبح جحيما لا يطاق فيما لو تجول هذا الشخص في الاسواق العامة التي تنتشر فيها عصابات الخطف والتسليب مثل الشورجة والسوق العربي وسوق الالكترونيات في الباب الشرقي، والكرادة وبغداد الجديدة وشارع السعدون وغيرها من المناطق، وهي ظاهرة بدأت تستفحل وتنتشر مع تردي الوضع الامني وغياب رجال الامن وانعدام القانون، وقد دفعت المخاوف الكثير من الناس الى الاستغناء عن ملابسهم الانيقة والغالية الثمن لا سيما القماصل الجلدية الثمينة والحقائب الممتازة وغيرها من الاشياء.


خير الأمور أوسطها
اجل خير الامور اوسطها بعيدا عن المظهر الخارجي الصارخ واللافت للانتباه والذي يكون مثارا للغيبة احيانا، يفضل معظم الناس الاحتفاظ بمظهر عقلاني ينم عن التعقل واللطافة والنظافة فهو مدعاة لتجنب الكثير من المتاعب والمزالق ومع كل ما قيل ويقال يبقى المظهر الخارجي رسالة تحتمل الخطأ والصواب في تعبيرها عن حقيقة وجوهر الانسان ويتراوح خطأها وصوابها في درجة المفارقة والتناقض بين جوهر الانسان ومظهره الخارجي، لا سيما بعد ان اصبح المظهر الخارجي غطاء يتخفى تحته المحتالون والادعياء والمنتحلون لصفات رسمية ليست بينهم وبينها اية علاقة اوصلة ومع كل هذا يسقط عشرات الناس ضحايا للمظهر الخارجي.

بعد أن غبن النظام السابق حقوقه
الشاعر محمد جواد الغبان يروي سيرته

حاوره- علي دنيف حسن

ولد الشاعر محمد جواد الغبان في مدينة النجف الأشرف عام 1930 ونشأ وتربى في ظل والده سماحة المغفور له الشيخ عبد الكاظم الغبان احد مجتهدي الحوزة العلمية في النجف ،وخاله المغفورله الشيخ محمد علي اليعقوبي عميد الرابطة الأدبية في النجف، وتتلمذ الغبان على يد نخبة من اعلام الحوزة العلمية ، كان على رأسهم استاذه الرائع محمد رضا المظفر صاحب كتاب المنطق ،وساعدته تلك الاجواء العلمية والأدبية على التألق في كتابة الشعر،فألقى قصائده الأولى في الاحتفالات الجماهيرية مثلما نشرها في الصحف والمجلات وهو مايزال فتى يافعاً .ونشرت له اول قصيدة عام 1946 في مجلة الدليل النجفية.
خمسة وسبعون عاماً قضاها الغبان متقلباً بين كتب الشعر والمصادر التاريخية المعتبرة،متعرضاً لأمزجة شتى الأنظمة السياسية التي توالت على حكم العراق.في بيته المتواضع المليء بمئات الكتب والمراجع والموسوعات كان لنا معه هذا اللقاء الذي لايمكن بأي حال من الأحوال ان يختزل مسيرة الغبان الحياتية والكتابية .تلك الحياة التي توجت بعشرات العلب وقناني الأدوية الواقفة جنباً الى جنب مع كتبه الأثيرة على نفسه.
الأيام الاولى
-لقد كنت من الطلبة المتقدمين في الدراسة لأني من عائلة حوزوية ، وكنت اتهيأ للبس العمامة ، وكان والدي يتمنى ذلك لانه احد مجتهدي النجف البارزين في ثلاثينيات القرن الماضي ، ولكنني لم أضعها على رأسي خوفاً من عدم اعطائها ما تستوجبه من شروط ، مثلي كمثل صديقي وأخي أسد حيدر ”رحمه الله‘‘صاحب كتاب موسوعة الأمام الصادق((ع)) الذي بقي يلبس الكوفية والعقال حتى توفاه الله تعالى وعمره ثمانون عاماً.ولهذا ارتديت الزي العربي نفسه لسنوات طويلة بمافي ذلك أيام عملي في الصحافة. لقد كانت رغبتنا في الدراسة لا توصف في تلك الأيام ، لقد كنا نطلب الدرس ليلاً ونهاراً. واذكر ان الشيخ المظفر كان يدرسنا ((علم الكلام))،وفي اثناء تلك المرحلة حصلت على كتاب ((شرح التجريد))للشيخ الطوسي،ورجوت من استاذي المظفر ان يدرسنا هذا الكتاب وكنا ثلاثة طلاب فقط، واعتذر الأستاذ لعدم وجود الوقت لديه لمثل هذا العمل. وبعد الحاحنا عليه ،ورغبتنا في طلب العلم، وافق الأستاذ على ان يدرسنا الكتاب بين الطلوعين((الفجر والشمس))فهو الوقت الوحيد الفاضل لدية لالقاء الدروس.وهكذا كنا نخترق أزقة النجف المظلمة قبل الفجر كل يوم أنا والسيد علي الصافي ومحمود المظفر لحضور الدرس ، حتى اكملنا دراسة الكتاب.
الكتاب آلاول
لقد بدأت التأليف في وقت مبكر من حياتك،نرجو ان تحدثنا عن قصة أول كتاب وضعته،والظروف التي احاطت به؟
لقد ألفت اول كتاب في العام 1948،وهودراسة عن جعفر بن ابي طالب((ع))أي قبل تخرجي بعام واحد، وعندما انتهيت من كتابته ،فكرت بمن سيكتب له مقدمة ،اذ كانت كتابة المقدمات للكتب شائعة في ذلك الوقت ، وعندما عرضت هذا الأمر على والدي،طلب مني الذهاب الى خالي الشيخ محمد علي اليعقوبي، ولكني كنت ارغب ان يكتب مقدمة الكتاب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ((رحمه الله))لأنه كان إماماً وعالماً ومجتهداً ومن أهم رجال الفكر في العراق في ذلك الزمن ، فضلاً عن انه كان صديقاً لوالدي وغالباً ماأناديه بكلمة ((عمي)).وحملت مسودة كتابي وذهبت الى الشيخ كاشف الغطاء وأخبرته بموضوع تأليفي للكتاب فبارك عملي هذا واثنى علي ،وما ان طلبت منه ان يكتب له مقدمة حتى فوجئ بالطلب،وقال لي شبه مستنكرماذا؟فرجوته على الفور ان يقرأ الكتاب فان اعجبه فليكتب له مقدمة ، وان لم يعجبه فليتركه على حاله. فأخذمني الكتاب وطلب مني العودة بعد اسبوع. وبعد اسبوع قال لي الشيخ مباركاً:لقد كتبت لك مقدمة مع اني لم اكتب مقدمة سابقاً لمن هم في عمرك. واثنى علي كثيراً . ومماجاء فيها بعد ذكر صفات جعفربن ابي طالب((ع))انه لم يؤلف عنه اي كتاب حتى قيض الله تعالى له هذا الشاب محمد جواد الغبان الذي يعجبك ببراعة اسلوبه وفي انتظام تبويبه ، والكثير من عبارات الاطراء الرائعة.وقد طبع الكتاب لأول مرة في النجف عام 1954،كما طبع في بيروت اكثر من مرة ،وطبع قبل سنة في ايران.
الحياة الدراسية والثقافية
كانت مدينة النجف الأشرف ولاتزال واحة العلم والثقافة،بتعدد مدراسها وعلمائهاومكتباتها ومطابعها،حدثنا على طبيعة دراستك العلمية فيها في ذلك الزمن ؟وعن مراحلها؟وعن مسيرتك العلمية بشكل عام؟
-درست في الحوزة العلمية اللغة العربية وآدابها ،والفقه والاصول على يد نخبة من علمائها الأعلام ،وتخرجت بعد ذلك من ((كلية منتدى النشر))عام 1949.
ثم قمت بالتدريس في هذه الكلية في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بعدها أكملت دراستي العليا في السبعينيات في معهد الدراسات الاسلامية في القاهرة، وقد حظيت هناك برعاية خاصة من قبل عميد المعهد الأمام والشيخ أحمد حسن الباقوري شيخ الأزهر آنذاك.
وبعد عودتي عملت لأكثر من عشرين عاماً في إدارة المدارس الجعفرية ببغداد ،ثم في التعليم الجامعي،وتخرج على يدي مئات الطلبة. وحصلت كذلك على عضوية الكثير من الجمعيات والمنتديات الثقافية في العراق فأنا عضو مؤسس لاتحاد الادباء العراقيين عام 1958 ،ولنقابة الصحفيين العراقيين عام 1959 ،ولم يبق من الاعضاء المؤسسين لهذه النقابة سواي والدكتور جلال الطالباني الذي قال عنه الجواهري نقيب الصحفيين في ذلك الوقت بعدأن رأى ماحصل عليه من اصوات اثناء الانتخابات :سيصبح لهذا الرجل شأن في المستقبل.
كما حصلت على عضوية رابطة الأدب الحديث عام 1964 وأنا رئيس فرعها في العراق ، وحصلت كذلك على عضوية جماعة((ابولو))الجديدة من مقرها في القاهرة عام 1988 وانا رئيس فرعها في العراق ايضاً.
حديث الجوائز
ارجو ان تحدثنا عن الجوائز في حياتك الحافلة بالشعر والبحث والتأليف؟ وهل كانت هذه الجوائز عراقية أم عربية أم عالمية؟
-لي الشرف لأني لم احصل على أية جائزة عراقية بالرغم من مسيرتي الحافلة بالعطاء،والممتدة لأكثر من خمسين عاماً، لأني لم أبع قلمي في أسواق المحافل الأدبية الرخيصة. ولقد جرت محاولات كثيرة لجري الى هذه الأسواق في مطلع السبعينيات ،وتعرضت على اثرها لمضايقات عديدة بسبب رفضي ذلك ،إذ اعتقلت وسجنت في محافظة الرمادي،وابلغت أني سأعدم ،ولكن رحمة الله كانت واسعة. وفضلاً عن الترهيب،كان الترغيب سلاحاً آخر وجه ضدي، اذ زارني أحدهم وقال لي:انك شاعر كبير وصاحب تاريخ حافل ،كيف ترضى لذلك الصابئي ((يقصد عبد الرزاق عبد الواحد ))ان يسكن في قصر من قصور الجادرية بينما تسكن انت في منزل متواضع . كلما نريده منك هو ان تكتب لنا قصيدة فنعطيك سيارة حديثة،ولأنك تحب السفر فسنجعلك تسافر الى اي بلاد ترغب في زيارتها. فقلت له : انا رجل مريض وصحتي لاتتحمل اي شيء وأنا قنوع كذلك ورقدت في المستشفى لأهرب من ذلك الرجل .
واثناء احداث مدينة المحمرة ضغطوا علي لأكتب قصيدة عن الحرب ولكني استطعت الافلات أيضاً.ولم اسجل لوسائل الاعلام اي شيء سوى حديث تلفزيوني قصير ، بعد ان وقعت في فخ وسائل الاعلام اثناء زيارتي لمعرض بغداد الدولي بحثاً عن كتب جديدة . وقد لقنوني بمايجب علي ان أقوله، ولكنني قلت ماأريده شخصياً واعتذرت عن ذلك بكبر سني وضعف ذاكرتي . ولكل هذه الاسباب عتم الاعلام العراقي السابق على منجزي الابداعي ومسيرتي التاريخية طوال عقود من الزمن لابعادي عن ذاكرة الثقافة العراقية .
اما على مستوى الجوائز العربية ،فقد حصلت على جائزة الشعر من مؤسسة البابطين في العام 1990 ،حيث اقيمت لاول مرة .وكان الفوز بهذه الجائزة مفاجأة لي لاني لم اشارك شخصيا فيها .اذ كنت في وقتها ادرس مادة البحوث “كيفية كتابة البحث العلمي” في كلية اللغات .وكانت علاقة العراق متوترة مع الكويت ،ولكن جاءتني برقية من رئيس رابطة الادب العربي في القاهرة الدكتور عبد المنعم الخفاجي جاء فيها ((نهنئكم ونهنئ انفسنا بفوز ديوانكم “انت احلى” بجائزة عبد العزيز سعود البابطين)) .فاتصلت بالدكتور الخفاجي هاتفيا للتأكد من الموضوع فقال لي: ألست عضواً في الرابطة ،لقد قدمنا ديوانك -انت احلى- للمسابقة عن طريق الرابطة ،ولنا الشرف ان اختيارنا كان موفقا جدا ،ففاز الديوان بجائزة الشعر ،وننتظر حضورك لتسلم الجائزة ومقدارها (220) جنيهاً مصرياً .ولم استطع الوصول في موعد توزيع الجوائز ،ولكني وصلت في موعد اخر ،واقامت الرابطة لي حفلا تكريميا في القاهرة مساء يوم الثلاثاء 26/ 6/ 1991 ،بحضور نخبة من اعلام الادب والنقد في مصر .وعندما سألت عن الشهادة التقديرية لمهرجان البابطين قيل لي ان هناك شخصين حضرا المهرجان يوم 17/ 5/ 2005 وانهما كانا يمثلان الوفد العراقي .وتسلم احدهما الشهادة التقديرية ولم نسلمه مبلغ الجائزة لان ذلك يتطلب حضورك شخصيا .واستفسرت عن ذلك الشخص فعلمت انه عبد الرزاق عبد الواحد الذي كان يصحبه عبد الستار ناصر ،ولم احصل على هذه الشهادة حتى يومنا هذا .وانا اعلن هذا السر لان “صدام” وزبانيته ومنافقيه قد انزاحوا عن كاهل ورئة الشعب العراقي .
لقد طبع من ديواني “انت احلى” خمسة الاف نسخة نفدت كلها من الاسواق ولم تبق عندي سوى نسخة واحدة اعطيتها قبل مدة قصيرة لاديبة عربية زارتني في بيتي بحثا عن الديوان .الديوان الذي حصل على الجائزة الاولى بعد ان تقدم لها 240 شاعرا من كل البلاد العربية ولكن تعتيم السلطة المبادة اطفأ البريق الاعلامي للفوز .
العمل الصحفي
اعتقد ،حان الوقت لنتحدث عن مسيرتك في الصحافة ،وهي كما ارى مسيرة طويلة وشاقة ،حبذا لوسلطت لنا عليها بعض الاضواء ؟
- بدأت حياتي الصحفية اوعلاقتي بالصحافة مع بداية قيامي بنشر قصائدي في الصحف والمجلات التي كانت تصدر في ذلك الوقت ،واصبحت محررا في مجلة “البذرة” التي تصدر في مدينة النجف مطلع العام 1948 ،ولقد عملت في هذه المجلة وكان واجبي فحص وتقييم النصوص الشعرية الواردة اليها .
وفي العام 1958 اصدرت بجهود شخصية مجلة “الفكر” الثقافية وكنت صاحب امتيازها ورئيس تحريرها ،فضلا عن قيامي بمهام اخرى كالتصميم والتصحيح اللغوي وغير ذلك .
وبقيت هذه المجلة تصدر حتى عام 1961 واغلقت بسبب تدهور الاوضاع السياسية في البلاد .ولقد كتب فيها خيرة الكتاب العراقيين والعرب امثال الشبيبي والمظفر والجواهري ومصطفى جواد والطاهر والوردي والبصير وكوركيس عواد وصلاح خالص ولميعة عباس عمارة والدكتور مهدي المخزومي واخرين .
اما من العرب فقد كتب فيها امين الخولي وبنت الشاطئ والدكتور عبد القادر القط ورئيف خوري والدكتور احسان عباس وجورج حنا وغيرهم الكثير
كذلك عملت بجد ونشاط على انبثاق وتأسيس نقابة الصحفيين في العراق عام 1959 كما ذكرت لك ذلك .
ونشرت عشرات القصائد والبحوث الادبية والتاريخية في مختلف صحف العراق والبلدان العربية .
خاتمة
بقي علينا ان نقول ان للغبان مجلسا ادبيا كان يقام يوم الاحد من كل اسبوع ،يرتاده الكثير من الادباء والمثقفين ،ويعد من اشهر مجالس بغداد الادبية ،اذ ارتاده وتحاور فيه اشهر الشعراء والمثقفين والباحثين ،وهذا ما قد نسلط عليه الاضواء في لقاء قادم مع الشاعر محمد جواد الغبان اذا شاء الله ذلك .

الأحد، 20 أبريل 2008


ما لا يشبه الحوار أو الإنطباع

صاحب الفضل على الفلاسفة !!
خضير ميري
مع الشيطان في غرفة واحدة
حاوره /علي دنيف حسن

يقولون ما غريب إلا الشيطان ، وما أغرب من الشيطان إلا خضير ميري قلت له :
* لم أسمع انك أسديت حسنة واحدة طوال حياتك لأحد ، فأرجو ان تفاجئ الجميع وتسدي إليَ حسنة واحدة بان تعيرني كتاب ( الكلمات والأشياء) لميشيل فوكو ، فرد عليَ باسماً :
- لا أملك إلا نسخة أصلية واحدة ولن أعطيها لوالدي حتى لو قام من تراب قبره .
كان هذا أول سؤال اطرحه على خضير ميري في أول لقاء لي معه منذ العام 1979 حين كان يسكن مدينة الثورة على بعد ثلاث دقائق سيراً على الأقدام من مسكني .
كان مثلي في ذلك القوت متعلقاً باذيال الفرق المسرحية عاشقاً لبرخت وكوكتو وهنري ميلر وناقماً على ستانسلافسكي وطريقته التي تحنط الأفكار والأشياء . قال لي : من غير المعقول أبداً إننا لم نلتق سابقاً ؟ فقلت له :
_ لقد تحاشيت اللقاء بك كثيراً ، فانت نزق وإنفعالي ولا أريد أن أصبح رقماً جديداً في قائمة أعدائك . فرد عليَ قائلاً :
_ أنا لا أعادي أحداً ، ولا أملك قائمة لأعداء معينيين . أما الذين وضعوني ضمن قوائم أعدائهم فهذا شأن يخصهم بالذات . ..
* هذا هو خضير ميري … أكثر الصعاليك غرابة ونظافة وأكثرهم قدرة على استخدام الأنترنت وإقامة العلاقات مع المثقفين العرب والأجانب ، ويصف نفسه بانه ( القارئ النموذجي ) لأمبرتو أيكو ، ولكن الوسط الثقافي يتهمه بأنه لايقرأ أبداً ، وان تأبطه للكتب الفاخرة والنادرة هو مجرد ديكور يداري من خلاله عجزه المعرفي .
وخضير ميري بعد ذلك صياد حديث ماهر .. يمتلك بلاغة ساحرة في إدارة الحوار والسيطرة على مشاعر الآخر ..
وحين تحدث معه سألته :
*يتهمونك بانك غير مثقف ، وأن ما تكتبه عبارة عن سرقات منظمة لأفكار وكتابات الآخرين ؟ فاجابني ضاحكاً :
- لقد مرَ عليَ اربعون عاماً في الثقافة العراقية ، ولو تعلمت في كل شهر حكمة أو درساً أو عبارة لأصبحت مثقفاً .. ثم من هو المثقف لكي أكون أنا غير مثقف ؟ ومن من قال اني أسرق افكار الآخرين أو كتابات الفلاسفة ؟ وهل هناك وثائق ما ؟ لقد اعطيت لكانت و نيتشه وبيكون وفوكو وسارتر وغيرهم مال لم يعطوه هم لأنفسهم .
* كيف حدث ذلك ؟
- لقد سجلت الكثير من أفكاري ( طابو) بأسماء هؤلاء ، فحين يتبادر الى ذهني اية فكرة أو مقولة أسارع لتسجيلها بإسم كانت أو رولان بارت أو أي اسم آخر من أسماء هؤلاء .. ولهذا اعطيت للفلاسفة ولم اخذ منهم .. !!
* أراك باذخاً في اعطاء الفلسفة شحيحاً بالدراهم ؟ !!
- صدقني . كل ما لديَ من مال أنفقه من أجل الكتاب والكتب .
* إذن .. أطلب لنا قدحين من الشاي على الأقل ؟
- عندما نخرج من هذا المكان سأطلب لك علبة مثلجة من المياه الغازية .
*أنا موافق على ذلك ، أرجو ان تصحح الغازية وتضع بدلاً عنها المياه العرقوبية تيمناً بـ ( عرقوب ) صاحب المواعيدالكاذبة والذي تحمل في جسدك بعض دمائه .
- أنا في الحقيقة غير مفهرس .. بل وغير منظم بالمرة على المستوى الاجتماعي .. لا ألبس ما يعجب الناس .. ولا أعمل مثل ساعة مضبوطة العقارب .. وحين اخرج صباحاً لا أعرف في أي مقام سأحِل .. ولديَ الكثير من الأصدقاء الذين تفهموا وضعي هذا وعشقوه ..
* يعشقون الجنون طبعاً !! ..
- اعتقد ذلك .. الجميع مجانين .. ولكن ما من أحد يعترف بهذه الحقيقة .
* وهل هنالك حقيقة برأيك ؟
- نعم الحقيقة هي أنا خضير ميري .. وانت علي دنيف حسن .
*لكنها حقائق مجنونة !! أنت مجنون مع سبق الأصرار والتفلسف .. كيف حدث هذا ؟
- حدث في وقت مبكر .. منذ طفولتي رأيت العالم مقلوباً
* ولماذا لاتقول أنك أنتَ المقلوب أساساً ؟
- ليس هناك من يحسم هذا الأمر ..
* إلى متى ؟
- إلى ان نموت فنصبح عندئذ حقيقة .
* إذن ، لماذا هربت من الموت إلى التعذيب ، أيهما كان أكثر حقيقة بالنسبة لك .
-الحقيقة التي أنشدها أو نشدتها في كلتا الحالتين هي أن أبقى .
* ولماذا تبقى ؟
_ لأن لدي أعمال كثيرة لم أنجزها بعد .
* مثلاً ؟
- اللقاء بك على سبيل المثال .. وبأخرين أيضاً .
* لكن الجحيم هو الآخرون كما يقول استاذك سارتر !؟
- ليس لدي استاذ .. لقد تبادلنا المقولات منذ زمن بعيد كما قلت لك .. أما الجحيم فهو مشروع ذاتي يصنعه كل فرد ذاتي وفق قياساته ..
* لكن مقولاتك سجلتها بأسم ( سارتر ) ايضاً ؟!
_ صحيح غير أن عشاق الفلسفة هم من سيفرقون بين هذا وذاك ..
* وهل هناك فلسفة لكي يكون لها عشاق ؟
- العشق والفلسفة توامان يرضعان من ثدي واحد .
* هل تعتقد أن الجنون هو عشق + فلسفة ؟
- قد يكون الأمر كذلك او قد لا يكون .
* ولماذا لا يكون ؟
- بسبب إينشتاين .
وخضير ميري شيطان يلعب بالبيضة والحجر ، يقول عنه بعضهم انه كان مخلباً من مخالب النظام السابق ،لاسيمابعد ان ترجمت زوجة النائب العمالي البريطاني ( جورج كلوي) كتابه - ايام الجنون والعسل ـ وإستغل النظام السابق هذا الكتاب للتنصل من جريمة الحصار وإلقاء تبعتها على امريكا واعوانها .كما إستغل خضير ميري كتابه هذا بعد سقوط النظام ليصف نفسه بالمقاتل العنيد والمسرحي الكبير الذي مثل أدواراً بالغة الطيش في ردهات تعذيب الأمن العامة وقاعات وزارة الثقافة والإعلام المكيفة في عهد النظام السابق .. وكانت ذروة المسرحية أو المسرحيات هذه وصوله إلى مستشفى الرشاد للأمراض العقلية أو كما يسميه العراقيون ( الشماعية ) ، حيث حل نزيلاً لا أغرب منه ولا ألذ . وكان الإحتفاء به مروعاً إذ تم كيه بالكهرباء تسعاً وثلاثين مرة . ويقول خضير أن هذه الكيات قادرة أن تصيب حماراً بالجنون . وعن الجنون وعسله المصفى وملابسات هذا الموضوع أجابني قائلاً :
- أيام الجنون والعسل هو يوميات مصحة عقلية كنت سجيناً فيها منذ عام 1986 _ 1991 . وقد وقعت أحداث مريرة في مرحلة حرب الخليج الثانية عندما تعرضت هذه المصحة إلى قصف جوي من قبل الطيران الأميركي أدى إلى هجر المصحة من قبل العاملين فيها وتعرضها للحصار الغذائي والدوائي لمدة 42 يوماً ، وأسفر عن وفاة 400 مريض نفسي وعقلي سجلتها منظمة الصحة الدولية في حينها . وقد قمت بدوري برواية ما حدث باسلوب أدبي أقرب إلى الأسلوب الوثائقي وإنتهيت من العمل فيه عام 1999 وقمت بإصداره بطبعة إستنساخ محدودة وزعتها على الحاضرين في مهرجان المربد الشعري / 1999 . وعلم الشاعر حميد سعيد وكيل الوزارة آنذاك بهذه الوثيقة فطلبها مني شخصياً بواسطة الشاعر رياض قاسم .. وسلمتهم نسخة رديئة في الإخراج الطباعي . وقد قامت دائرة الشؤون الثقافية بطبعها في وقت قياسي جداً .. وكتب عنها حميد سعيد مرتين وعدها إدانة دامغة للعدوان الاميركي . وبالنسبة لي كانت _ ايام الجنون والعسل _ إدانة لكل أنواع الحرب وحظي الكتاب بإهتمام الداعية العمالي جورج كلوي الذي إلتزم أمر ترجمته الى الانكليزية لنشره على نطاق واسع في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية ، وقرأت اكثر من تصريح يؤكد أن النسخة ستكون جاهزة للطباعة بعد أن يراجعها طارق عزيز كمسؤول عراقي .. وما إلى ذلك من التصريحات ..
ولقد سببت هذه العملية إلتباساً في الفهم وفي قراءة النص فهو مكتوب بلغة غير تعبوية ولايتطرق الى أية موقف لصالح النظام العراقي و ضده ، وهذا ما جعل للنص قراءتان ، قراءة النظام العراقي ، وقراءتي له . ولا أدري هل يقع على عاتقي مسؤولية ما حدث .
لقد كتبت كتاباً عن تجربة عشتها بنفسي ولم يخطر ببالي أن كلام المجانين يمكن أن يقع ضمن اهتمام القيادة السياسية ولم أتسلم أية مبلغ عن عملي هذا سوى ثلاثين الف دينار وخمسين نسخة من الكتاب ، واعتقد ان هذا ما يزال مسجلاً في ملفات دائرة الشؤون الثقافية .
* التجربة المريرة هذه كرست خضير ميري وجعلته كاتباً مختلفاً وغريباً عن السرب أوالأسراب العديدة للمثقفين ، لقد كان يهرب من الأقفاص جميعاً ، عن هذا الموضوع ـ أي عن الأقفاص والمختلف والمنحرف اجابني قائلاً :
- يقع موضوع الكتابة فيما أسميه بالمختلف والمنحرف في موضوع المعيوش ، بمعنى ان ذهابي للكتابة الأدبية جاء بتحريض من معيشتي في المصحة النفسية والعقلية ، فلا يذكر لي أي كتابات أدبية سابقة لكتاب ( الجنون والعسل ) أو حكايتي عن الشماعية أو أوراق منزوعة من كتاب الجنون أو النص المطول عن ( آيتيه) إله الجنون عند الاغريق ، وحتى (بوذا ) جعلته مجنوناً ليظن نفسه رسولاً بلا رسالة ونبياً بلا إله وواعظاً بلا أخلاق ، وهو نموذج حي لبطل من هذا الزمان ، وحتى كتابتي لمذكراتي ، وعن رحلتي من التعذيب الى المصحة العقلية ، وروايتي ( الجنون في آذار ) .......
* بعيداً عن هذه الهرطقات ، حدثني عن المختلف والمنحرف بوضوح ؟ ، فما زلت اراك مختلفاً حتى بعد هذا الحديث ..
- أميز في الحقيقة بين المثقف الموظف والمثقف المختلف ، والأول هو الذي شاع في الثقافة العراقية ، وهو ذلك الموظف داخل شخصية مؤسساتية متخدجة غير قابلة للعيش او سلوك ما تفكر به ، وغالباً ما يكون هذا مثقفاً مهنياً مصاباً بمرض الأمية المتطورة والتراكم المعلوماتي ، وهو ينتهي غالباً بأن يكون رئيساً للتحرير أو دكتوراه في اللغة العربية أو الفلسفة وتمر به الحياة سريعاً ليجد نفسه مثقفاً متقاعداً لم يستطيع تأليف كتاب واحد في حياته .
أما المثقف المختلف فهو الذي تورط بالثقافة رغماً عنه . وكبر على الواقع وفرط بالعديد من المسؤوليات ليقرأ جيداً ولا يأكل كثيراً ، مطلقاً لمرة أو لأكثر ، مديوناً في الحانات الليلية ، يكتب بمزاج ويترفع عن النشر ، ينتبه إليه الآخرون ولا ينتبه هو لنفسه ، غالباً ما أقارن هذا النوع من المثقفين بنموذج الفاتحين الكبار في الثقافة العالمية شذوذ رامبو ، ورسالته اللا أخلاقية المبكرة ، داندية بودلير ونزعاته الأوديبية والمثلية ، إزدواجية دستويفسكي والذات الوضيعة لأغلب شخصياته ، والعائلة المفككة عند فلوبير و السخرية المرضية عند فولتير والثورية المبالغ فيها عند ماركس ، وكذلك الكهنوتية القاتمة في أفكار شوبنهاور وروح الإله وحب الأنسان الأعلى عند نيتشه .. الخ هؤلاء نماذج للمثقف المختلف .
فما الذي حصلنا عليه من المثقف الوظيفي .. لاشيء !!..
* واعتقد ان مفاهيم خضير ميري هذه هي التي قادته إلى طلاق زوجته الأولى وقادته كذلك لترك الدراسة الجامعية فخضير ميري دخل ثلاث كليات مسائية هي الفلسفة ، وعلم النفس والمسرح في اكاديمية الفنون الجميلة .
ختاماً ..
ما زال خضير ميري قادراً على إنتاج المقولات والتلاعب بها ، ونسبها إلى أ ي فيلسوف يتبادر إلى ذهنه ، وهو بهذا الفعل إنما يصوغ الفلسفة من جديد ، وقد يكون مدركاً لأفول الفلسفة العتيقة بصدق ، طالما أنه يؤسس لما بعد الفلسفة .
كنت أراه بمعطفه الأزرق الطويل وجسده النحيل ، ونظاراته الدائرية العدسات وهو يتأبط كتبه الثقيلة ليخترق بها الصفوف بخفة ورشاقة .
ورغم أن الكثير من المتابعين يرون فيه لاعباً أو متلاعباً باللحايا الكثة والطويلة لعتاة الفلسفة ، ومتجاوزاً على أسوار أصحاب المقولات ، لأنه غالباً ما يقلب هذه المقولات او يصحفها بفضاضة ساحرة وساخرة إلا أنه مع ذلك يرى أن الأرض ليس فيها شمال أو جنوب حقيقي مئة بالمئة ، لأنك حين تبتعد عن الشمال شمالاً واحداً ستجده جنوباً بعيداً ..
ولهذا لاعجب أن بحثت عنه مرة ثانية او بحث عني هو الآخر لنسجل حواراً ثانياً مثل هذا الحوار .