في ضيافة مجلس الغبان
محفل ثقافي لا يعرف الطائفية ويتميز بحضور النساء
زاره :علي دنيف حسن
( انت تجلس في مكان الدكتور المرحوم ابراهيم الوائلي، اما صديقك فيجلس في مكان العلامة المرحوم جلال الحنفي ). بهذه العبارات بادرنا الشاعر محمود جواد الغبان بعد استقباله لنا في منزله الواقع في جانب الرصافة ببغداد.
(هذه الصالة التي تجلسون فيها ) يقول الغبان، (هي نفسها التي كان يعقد فيها مجلسي المسمى بـ”مجلس الغبان“، والذي ضم في جلساته الاسبوعية التي كانت تقام يوم الاحد من كل اسبوع نخبة طيبة من العلماء والادباء والمثقفين الاوائل طوال اكثر من اربعين عاماً. )
ويواصل الغبان حديثه بنبرة حزينة مشيرا الى المقاعد : - هذا مكان الدكتور علي الوردي، وهنا كان يجلس العلامة الدكتور حسين علي محفوظ، و.. وتتفجر الذكريات فتتصاعد سحب الحزن والمرارة، ونرى الصالة فارغة الامن الغبان نفسه وهو يقلب دفتر ايامه الخوالي، فتسيطر علينا مشاعر الرهبة ويتسلل الاسف والصمت الى نفوسنا.
محفل ثقافي لا يعرف الطائفية ويتميز بحضور النساء
زاره :علي دنيف حسن
( انت تجلس في مكان الدكتور المرحوم ابراهيم الوائلي، اما صديقك فيجلس في مكان العلامة المرحوم جلال الحنفي ). بهذه العبارات بادرنا الشاعر محمود جواد الغبان بعد استقباله لنا في منزله الواقع في جانب الرصافة ببغداد.
(هذه الصالة التي تجلسون فيها ) يقول الغبان، (هي نفسها التي كان يعقد فيها مجلسي المسمى بـ”مجلس الغبان“، والذي ضم في جلساته الاسبوعية التي كانت تقام يوم الاحد من كل اسبوع نخبة طيبة من العلماء والادباء والمثقفين الاوائل طوال اكثر من اربعين عاماً. )
ويواصل الغبان حديثه بنبرة حزينة مشيرا الى المقاعد : - هذا مكان الدكتور علي الوردي، وهنا كان يجلس العلامة الدكتور حسين علي محفوظ، و.. وتتفجر الذكريات فتتصاعد سحب الحزن والمرارة، ونرى الصالة فارغة الامن الغبان نفسه وهو يقلب دفتر ايامه الخوالي، فتسيطر علينا مشاعر الرهبة ويتسلل الاسف والصمت الى نفوسنا.
الكتب الناطقة
يقول الغبان وهو يفرك احجار مسبحته بشيء من المرارة:
لقد نشأت في بيئة علمية، ادبية في النجف. وتمتاز المدينة فضلا عن وجود الحوزة العلمية فيها بوجود المجالس العلمية والادبية والاجتماعية التي تكاد ان تكون موجودة في كل بيت. فالتجار كانت لهم مجالسهم وكذلك العمال والكسبة وطلبة العلم وغيرهم. لقد كانت الثقافة سمة واضحة للمدينة واهلها، كما ان وجود الحوزة لعلمية فيها جعلها تتقدم تقدماً واضحاً في هذا المجال.
ولقد فتحت عيني بالاساس على مجلسين هما مجلس والدي الشيخ عبدالكاظم الغبان، ومجلس خالي المرجع الديني الشيخ محمد علي اليعقوبي. وبدأت تربيتي في هذين المجلسين، فضلا عن المجالس الاخرى التي كنت ارتادها في مدينة النجف، وكذلك الجمعيات الادبية وابرزها جمعية الرابطة الادبية تأسست عام 1932 وجمعية منتدى النشر تأسست عام 1935.
ولقد زادتنا تلك المجالس والجمعيات ثقافة ووعياً منذ طفولتنا المبكرة، جنباً الى جنب الكتب التي قرأناها في تلك المرحلة، ولهذا اسمي المجالس بالكتب الناطقة، فالمتابعون في ذلك الوقت لايقرأون الكتاب فقط بل يناقشونه في مجالسهم.
واحب ان اضرب لكم مثلا عن مدى انفتاح مدينة النجف التي كان يشاع عنها انها مغلقة، فعندما صدر ديوان ايليا ابو ماضي”الطلاسم“ وهو ديوان يتبنى نزعة اللا ادرية ”لست ادري“، وهي نزعة مرفوضة من قبل المتدينين، ووزع الكتاب في النجف واقتناه الكثيرون ولم تكتفي النجف بذلك فقامت بطبع الكتب في مطابعها الخاصة في العام 1935. وهو ما يدل على انفتاح المدينة لا على انغلاقها.
مجلس الغبان
وعن بداية مجلسه الخاص واصل الغبان الحديث قائلا:
في منتصف الخمسينيات انتقلت من مدينة النجف الى العاصمة بغداد، وسكنت في منطقة الكرادة الشرقية، وفتحت مجلسي امتداداً لمجالس النجف.
واستمر مجلسي في التألق والازدهار اذ كان يرتاده نخبة من العلماء والادباء والمثقفين، وفي سنواته الاخيرة كان يرتاده الشيخ المرحوم جلال الحنفي، والدكتور المرحوم ابراهيم الوائلي، والعلامة الدكتور حسين علي محفوظ، والاستاذ عادل السبع وعبدالغني الحبوبي وعبدالحميد الرشودي والدكتورة وديعة الشبيبي والشاعرة لميعة عباس عمارة والاستاذ صادق القاموسي وتحية الخطيب وعبدالرسول الحبشي وآخرون لا تحضرني اسماؤهم.
وذاع صيت المجلس في عموم العراق فكانت تزوره وفود من مختلف محافظات ومدن العراق، خاصة من النجف والبصرة وقضاء سوق الشيوخ، وكان البعض يلقي نتاجه الادبي في المجلس لنطلع عليه ونناقشه. وكنا نبتعد عن ذكر السياسة بشكل كامل وخاصة في العقود الاخيرة من عمر المجلس.
وما بين العام 1962 ـ 1963 انتقلت الى هنا وواصل المجلس تألقه وازدهاره.
ومع مطلع الثمانينيات امتدت شهرة المجلس الى البلدان العربية.
فزارته نخبة كبيرة من الادباء والمثقفين العرب”ويشير الغبان الى الصور المعلقة على جدران الصالون ثم يواصل حديثه“ اذكر من هؤلاء عميد كلية العلوم في القاهرة، والدكتور محمد عبدالمنعم الخفاجي رئيس رابطة الادب العربي في القاهرة، والدكتور عبدالعزيز شرف رئيس جماعة ابولو الادبية في القاهرة وشاعر الاسكندرية عبدالعليم القباني، وسعد درويش وكيل وزارة الثقافة المصرية، والشاعرة الاردنية عائشة الخواجا والشاعرة المصرية وفاء وجدي وزينب ابو النجا والشاعر احمد سويلم والشاعرة مليكة العاصم ومنير عبدالتواب مدير اذاعة صوت العرب ووديع فلسطين من جيل العقاد وطه حسين وكامل السواحيري من فلسطين وباسمة باطولي ورشيد الذوادي من تونس واسمهان صيداوي رئيسة تحرير مجلة حقائق في باريس وعبدالعليم عيسى واخرين لا اتذكر اسماءهم حالياً.
ووصلت شهرة المجلس الى دول المهجر، فوصلتنا رسائل تهنئة واشادة من الشاعر الياس قنصل المغترب في الارجنتين ومن الشاعر فارس بطرس المغترب في البرازيل. حدث هذا في الثمانينيات. وكانت ذروة ذلك عندما نشر الشاعر الياس قنصل قصيدة في تحية الندوة ”المجلس“ على صفحات جريدة الاهرام المصرية بتاريخ 15 / 9 / 1990 وارسل الينا نسخة من الجريدة الى بغداد. فقمت بشكره وتحيته بقصيدة على نفس الوزن والقافية قمت بنشرها في جريدة الاهرام ايضا. وصنعت قصيدة قنصل ملحمة شعرية اذ بادر الكثير من رواد المجلس بتحيته في قصائد لها الوزن والقافية نفسها.
وما علي ذكره هو ان هناك العديد من المجالس الادبية الاخرى التي عاصرت مجلسي في فقرات مختلفة، وتنوعت في روادها وتوجهاتها اتذكر منها مجلس السيد مكي السيد جاسم في منطقة الداودي، ومجلس عبدالمجيد القصاب في الكرخ ومجلس الشعر باف ومجلس الاديب عبدالرزاق محيي الدين ومجلس شرقية الراوي.
حدائق العلماء
يؤكد الغبان ان ما ميز مجلسه عن المجالس الاخرى هو وجود المكتبة، فبالرغم من فقدانه العديد من الكتب النادرة في اوائل الستينيات بسبب الاعارة الا انه واصل اقتناءالكتب حتى اصبحت له مكتبة عامرة بامهات المصادر والموسوعات، وقد افاده عمله كأول مدير لمكتبة جامع الخلاني عام 1955 في زيادة خبرته في الفهرسة والتنظيم. وترتفع رفوف مكتبة الغبان من الارض باتجاه السقوف، وما من جدار في مكتبه الا وعليه عشرات الكتب المصفوفة بعناية ودقة.
في احد اطراف المكتبة هناك سريره الذي ينام عليه وبجانبه منضدة صغيرة محملة بشتى اصناف الادوية التي اخذ يتعاطاها لكبر سنه، وتتوسط المكتبة قطعة معدنية صغيرة كتب عليها” قال الامام علي عليه السلام :” الكتب حدائق العلماء “ والقطعة المذهبة اهديت له من قبل احد رواد المجلس، وقريبا من ذلك صورة شخصية له مرسومة بقلم الرصاص رسمها” لبيد “ نجل العلامة المرحوم جلال الحنفي. وعندما انتقلنا الى المكتبة التي تقع بجوار المجلس ويدخل اليها عبر باب صغير مقوس واصل الغبان حديثه بحماس اكثر وكأنه يستمد قوة غامضة من روح العلوم والفنون والاداب التي تنبعث من جلال المجلدات الضخمة والمصفوفة في كل مكان:
ـ كان المجلس ينعقد مابين الساعة السابعة مساءً والساعة الواحدة ليلاً، وكان الجالسون يتحاورون في شتى اصناف المعرفة والثقافة، وكانت كتب المكتبة رافدنا وفيصلنا في حل اي غموض او اشكال، فما ان يحتدم النقاش بيننا حول قضية ما حتى اطلب من ولدي”مازن “ احضار كتاب له علاقة بالقضية، فيحضره ولدي في اقل من دقيقة وسط دهشة الحاضرين، والسبب يعود الى دقة فهرسة مواضيع المكتبة، وكما ترى فالمكتبة تضم كتباً نادرة وثمينة انظر” ويشير الغبان بيده نحو احد الرفوف “ هذا كتاب تاج العروس باربعين مجلد، وهذا تاريخ الطبري بجميع مجلداته، وذاك دائرة المعارف الاسلامية، وذاك كشف الظنون لحاجي خليفة وهنا الاعلام للزركلي والمعجم الكبير للمجمع العلمي في القاهرة، اما هناك” ويتقدم نحو رف اخر “ هذه مؤلفات طه حسين كاملة وكذلك العقاد وجبران خليل جبران ولدي اكثر من 1500 ديوان شعر من الدواوين المهمة، وهي فضلا عن ذلك تضم الكثير من الموسوعات والمعاجم ودوائر المعارف.
” ويواصل الغبان حديثه باسماً هذه المرة “.
واحب ان اروي لك موقفا طريفا بشأن المكتبة، فذات مرة دخل علي صديقي الدكتور المرحوم علي الوردي وهو يسأل عن كتاب” تاريخ التربية والتعليم عند الشيعة “ لمؤلفه عبدالله الفياض، بعد ان بحث عنه في جميع المكتبات، واصيب بالذهول عندما وضعت ذلك الكتاب المذكور بين يديه، فهم بالخروج واخذ الكتاب معه فامسكت به من يده وقلت له: الى اين، لن تأخذ الكتاب معك. فقال: لدي عمل طويل فيه، فقلت له: لن يخرج الكتاب من المكتبة، اجلس هنا وانقل منه ما تريد، وسأوفر لك وسائل الطعام والشراب حتى لو بقيت شهراً كاملاً في منزلي، فألح علي كثيراً، ولكني رفضت فأذعن للأمر وجلس ينقل ما يريد الاستشهاد به في بحوثه ودراساته.
وبهذه الطريقة حافظت على مكتبتي من الضياع اذ كنت وما أزال من المعادين لظاهرة اعارة الكتب للاخرين.
نشاطات المجلس
كان علينا ان نسأل الغبان عن نشاطات مجلسه الاخرى، بعد ان قام باحضار ملف كبير”بوكس فايل“ يضم قصاصات الصحف والمجلات التي كتبت عن المجلس وبعد تصفحنا لذلك الملف اجاب الغبان قائلاً:
لقد قمنا بزيارات كثيرة للمجالس الاخرى وللادباء والمثقفين العراقيين في منازلهم، وبقيت في ذاكرتي تفاصيل زيارة وفد المجلس للمطرب المرحوم محمد القبنجي في منزله.
وكان القبنجي قد شكا لاحدى الصحف عن عزلته وعدم اهتمام الناس به، بعد ان كان بلبل العراق، فقررنا القيام بزيارته لإيناسه في وحدته، وما ان صافحني ثم صافح الصديق الاخر من بعدي حتى انخرط بالبكاء المرير، وقد كانت زيارة لاتنسى كتبت عنها الصحافة العراقية والعربية في وقتها.
كما قام المجلس باحياء ذكرى الشخصيات الادبية والثقافية وخاصة لمن فقدهم المجلس من رواده وزائريه، امثال ابراهيم الوائلي، وصادق القاموسي صاحب المكتبة العصرية، والشيخ اليعقوبي بمناسبة مرور قرن على رحيله، والشيخ الشبيبي لمناسبة مرور ربع قرن على رحيله ايضا وغيرهم ممن لاتسعفني ذاكرتي على حضورهم.
آخر الاسئلة
لكل بداية نهاية كما يقال كان علينا ان نختتم حديثنا مع الشاعر محمد جواد الغبان باسئلة اخيرة، كان اولها عن مشاركة النساء في المجلس فأجاب قائلاً:
ـ لقد كان للمرأة المثقفة والادبية حضور واضح في مجلسنا واتذكر من النساء، الدكتورة اديبة الشبيبي والشاعرة لميعة عباس عمارة وتحية الخطيب.
*وهل كنتم تقدمون اطعمته او اشربة للضيوف، خاصة وانتم تقضون مدة طويلة في الحوار والنقاش؟
ـ لقد كنا نقدم اثناء الجلسات خبز العروك والشاي والمشروبات الغازية والعصائر والشرابت المختلفة.
*وهل كان لدى رواد المجلس مشاعر طائفية او عرقية او اي شيء من هذا القبيل؟
ـ كلا، لقد عشنا وتربينا في بيئة طاردة لمثل هذه الافكار والنزعات، ولم اكن اسأل وكذلك ضيوف المجلس عن مذهب هذا او قومية ذاك. ولم تفرقنا تلك الهويات الفرعية ابداً. لقد كنا مجموعة واحدة تجمعها الثقافة والمعرفة وحب الانسان والوطن وحتى هذه اللحظة لا ارغب في ان افكر هل كان ذلك الضيف سنياً ام شيعياً، مسلماً ام مسيحياً، كردياً ام عربياً. كان سؤالنا الوحيد عن عمق المعرفة ومستوى الثقافة والابداع في الكتابة فقط.
اخيراً
ـ قبل ان نودع الغبان ومكتبته العامرة، وذكريات مجلسه الشهير سألناه عن اخر جلسة للمجلس، فقال انه لايتذكر ذلك، وان المجلس قد توقفت جلساته بين عامي 1995 ـ 1996 بسبب شحة الكهرباء، وزيادة الضغوطات الامنية خاصة بعد ان نشرت احدى الصحف اللندنية موضوعا قالت فيه” ن المثقفين العراقيين يجدون متنفسا كبيرا من الحرية في مجلس الغبان “، ويضيف الغبان ان المجلس منذ ذلك اليوم بات مراقباً من قبل عناصر الامن فانفرط جمعه وتفرق شمله.
ونترك الشاعر محمد جواد الغبان في مجلسه وحيدا يقلب ذكريات الامس وتحدق عيناه في قصيدة مشجرة تبدأ ابياتها بحروف اسمه بالتسلسل، كتبها ذات يوم العلامة الدكتور حسين علي محفوظ في تحية المجلس ورواده الكبار.

