
كتاب فقدته - حملة الحقائب
علي دنيف حسن
كثيرة هي الكتب التي فقدتها لأسباب شتى، وتحت ظروف مختلفة. وبقيت ذكرى تلك الكتب وامكانية الحصول عليها، هاجس يعذبني حتى كتابة هذه السطور. ومن هذه الكتب كتاب عنوانه (حملة الحقائب) اشتريت نسخة منه في العام 1985 وقرأته مرة واحدة، ثم استعاره مني بعض الاصدقاء، بعد حديثي عن مضامينه والاسلوب المميز الذي كتب فيه، لأفقده في العام نفسه الذي اقتنيته فيه. والكتاب كتبه صحفيان فرنسيان بعد جمعهما لعشرات الوثائق العربية والفرنسية عن الثورة الجزائرية بعد استقلال الجزائر بسنوات قليلة، بل يمكن القول انه كتاب يؤرخ بالحقائق لنشاط الاستخبارات الفرنسية في ملاحقة الناشطين الجزائريين في اماكن مختلفة منها باريس ومدريد ولوكسمبورغ والجزائر العاصمة نفسها، فضلا عن مدن وقرى جزائرية وعربية ايضا. ويسلط الاضواء على نشاط الثوار الجزائريين، لاسيما في العاصمة الفرنسية باريس، فهو ينقل، على سبيل المثال، مشاهد درامية عن مطاردة عناصر الأمن الفرنسي لثلاثة قياديين جزائريين، في الوقت الذي يسكن هؤلاء الثلاثة في شقة مجاورة لدائرة الامن الفرنسي المركزية في شارع الشانزليزيه بعد ان تم تهريبهم عن طريق اسبانيا. ويشرح الكتاب في الكثير من صفحاته نشاطات اليسار الفرنسي، لاسيما الشيوعيين، في دعم الثورة ومساندة قضية استقلال الجزائر، فمن خلاله نطلع على نشاط اشهر المثقفين الفرنسيين والصحف الفرنسية التي ساندت القضية فتعرضت تبعا لذلك للملاحقة والاعتقال وحتى السجن. كما نطلع على مختلف نشاط المعارضة الفرنسية لاحتلال الجزائر، ورفض الشباب الفرنسي الالتحاق بمراكز التجنيد. ويوثق الكتاب كذلك لمختلف وجوه الثورة الجزائرية في حشد الانصار وتدريب المقاتلين وسبل الحصول على التمويل واساليب الدعاية واختراق الاجهزة الامنية الفرنسية والدولية وتزوير وثائق السفر والتنقل من دولة الى اخرى. والكتاب يعد مرجعا تاريخيا نعرف من خلاله السيرة الذاتية لأشهر الثوار الجزائريين، وهم الثوار الذين تم نسيانهم بالكامل بعد حصول الجزائر على استقلالها، فقارئ الكتاب يخرج بنتيجة مفادها، ان الثورة صنعها ابطال تم ازاحة اسمائهم وملاحمهم ليحل بدلا عنهم آخرون لا علاقة لهم بالثورة وسنوات نضالها . اتذكر من هؤلاء (بو منجل) و(مراد طربوش) الرجل الريفي الذي قاد عمليات الثورة في فرنسا نفسها وغيرهم الكثير. وفي مقدمة الكتاب يشرح الصحفيان كيفية بحثهما وحصولهما على الوثائق، ومعاناتهما في تصنيف المعلومات ووضعها في سياقها التاريخي يوما بعد يوم، لتشكل سجلا وثائقيا مدعوما بالشهادات عن تلك السنوات المريرة من حركة الثورة الجزائرية. اما تسمية الكتاب بهذا العنوان، فيقول المؤلفان ان الصحف الفرنسية ظهرت في يوم من تلك الأيام وهي تتحدث في عناوينها الرئيسة عن (حملة الحقائب)، وهم رجال فرنسيون من الشريحة المثقفة كانوا يدعمون الثورة الجزائرية بالمال والكلمة، وتم معرفة بعض اسمائهم، بعد ان عثرت قوات الامن الفرنسية، عن طريق المصادفة، على حقيبة فيها عشرات الوثائق بهذا الخصوص. ومنذ عام 1985 وانا اركز نظري في مختلف الكتب الموضوعة في المكتبات او تلك المنشورة على ارصفة الطرق لعلي اجد ذلك الكتاب، ليس لانه مجموعة من الوثائق التاريخية فقط، بل لما تميز به من عرض رشيق ومشوق لمعلومات تاريخية كتبت باسلوب صحفي مبدع وبسيط وجميل.
