السبت، 19 أبريل 2008



عضو اتحاد كتاب مصر الناقد احمد فضل شبلول
الشعراء العراقيون قدموا تجارب عظيمة في الشعر العربي المعاصر

حاوره ـ علي دنيف حسن

الدهشة وحدها قادتني للحوار مع الشاعر و الناقد العربي احمد فضل شبلول المولود في الاسكندرية عام 1953 . كان يهمني ان اعرف كيف استطاع هذا الرجل انجاز” 39 “ مؤلفا بينها عشرة مجاميع شعرية اولها” مسافر الى الله “ صدر عام 1985 واخرها” بين نهرين يمشي “ عام 2005 .
وتوزعت بقية مؤلفاته بين فنون واجناس ادبية شتى منها: خمسة في ادب الاطفال، 14 مؤلفا في الدراسات الادبية والنقدية فضلا عن 9 معاجم وموسوعات بضمنها خمسة انجزها بالاشتراك مع آخرين .
وبالرغم من تجواله المستمر في العواصم العربية والعالمية الا ان له كتابا واحدا في ادب الرحلات عنوانه” رأيت باريس “ وشبلول حاصل على شهادة البكالوريوس في ادارة الاعمال عام 1978، وهو عضو مجلس ادارة كتاب مصر، وعضو فاعل في اكثر من اتحاد وهيئة ومؤسسة ثقافية، عربية او مصرية كان آخرها منصب نائب رئيس اتحاد كتاب الانترنيت العرب .
وعمل كذلك في الصحافة كرئيس تحرير، او سكرتير، او مدير تنفيذي ومراسل صحفي للعديد من الصحف العربية .
وهو بعد هذا حاصل على جوائز ثقافية مهمة تكريما لانجازاته المتعددة .
التقيت الشاعر احمد فضل شبلول في الكويت، واتفقنا على اجراء هذا الحوار عبر شبكة الانترنيت .
حدثني اولا، عن كيفية استثماره للوقت في التوفيق بين اعماله المختلفة، الادارة ، الكتابة، السفر ، القراءة، والعمل الصحفي قائلا:
أنا محظوظ في ترتيب وقتي بين عملي الأساسي (مديرًا لشئون العاملين في إحدى الشركات السياحية)، والكتابة والسفر والقراءة والعمل الصحفي. فزوجتي لا تشعرني بأن البيت ينقصه شيء، وأولادي يتركونني لممارسة مهامي وأنا جالس بينهم، وعملي الأساسي يساعدني في وفرة الوقت، بعد أن قمت بتأسيس الإدارة ووضعت آلية لدوران العمل بها، بما لا يضيع أو يهدر وقتي ووقت زملائي أيضا.
غيري أني في النهاية أشعر أيضا بشيء من التقصير تجاه كل ما ذكرته، فهناك كتب، قراءتُها والكتابة عنها مؤجلة، وهناك بلدان لم أزرها بعد، وأتمنى زيارتها، وهناك أفكار صحفية كثيرة لم أجد الوقت لتنفيذها، وهناك دائما كتابات أود التفرغ لإنجازها، وهناك مراكز وظيفية أعلى أتمنى الوصول إليها .. وهكذا.)
وعن اقرب اعماله الابداعية الى نفسه ، لدرجة انه يتمنى التفرغ لها كليا يقول :
(الكتابة والصحافة والسفر، وكلها قريبة من بعضها البعض، فالكتابة هي عشقي الأول، والصحافة تفتح آفاقا واسعة للكتابة، والسفر يمنحني دائما مواد خام للكتابة من خلال الملاحظات والمقارنات والتعرف على أحوال جديدة وعوالم جديدة ووجوه بشرية جديدة.
إن دهشة السفر وفوائده كثيرة، تمنح العقل والقلب الكثير من الانتعاش والتجدد. وقد صدق الإمام الشافعي حين قال:
تغرَّبْ عن الأوطانِ في طلبِ العلا
وسافرْ ففي الأسفارِ خمسُ فوائدِ
تفرُّجُ همٍ، واكتسابُ معيشةٍ
وعلمٌ، وآدابٌ، وصحبة ماجدِ
ولعل متعة السفر والرؤية ومحاولة الفهم والكتابة، لا تعادلها عند الكاتب متعة أخرى، على الرغم مما يقال: "السفر قطعةٌ من العذاب". وقد وضعت في العام الماضي كتابي الأول في أدب الرحلات "رأيت باريس"، وتحت الطبع الكتاب الثاني في هذا النوع من الأدب "من استانبول إلى قرطبة.)
ويواصل الحديث عن التجارب الشعرية والنقدية ، وكيف يرى واقع ومستقبل الأدب والنقد في الوطن العربي قائلا:
(إذا كان السؤال عن مؤلفاتي فكلهم أولادي، ولكن أشعر أن ديوان "ويضيع البحر" هو الأقرب إلى نفسي. فالرمز فيه ممتد حتى الآن، وهو ضياع البحر رمز الحرية والحياة، وضياع البوصلة التي ترشدنا إلى الاتجاه الصحيح في هذا الخضم الهائج.
أما كتاب "رأيت باريس" فهو الأقرب في مجال أدب الرحلات، لأنه يعبر عن تجربة خاصة خضتها في السفر إلى مدينة النور والعطور.
وفي مجال التجارب النقدية، فأقرب كتبي إلى نفسي "جماليات النص الشعري للأطفال" حيث كانت هناك شكوى من عدم المتابعة أو الملاحقة النقدية لما يكتب للأطفال، فجربت حظي وكتبت عن أكثر من خمسة وعشرين مجموعة شعرية للأطفال على مستوى الوطن العربي، والحمد لله لاقى هذا الكتاب حظا وافرا من التوزيع والمتابعة والندوات، فجمعت ما كتب عنه ونشرته في كتاب تحت عنوان "الشعر والنقد والطفولة ـ قراءات في كتاب جماليات النص الشعري للأطفال".
وكان هذا الكتاب بداية لسلسلة كتب أخرى في أدبيات الطفولة، حيث أصدرت بعده "معجم شعراء الطفولة في الوطن العربي خلال القرن العشرين". وكتاب "أدب الأطفال في الوطن العربي: قضايا وآراء"، ثم كتاب "تكنولوجيا أدب الأطفال" والأخير فاز بجائزة المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة عام 1999. )
وعن واقع الأدب والنقد ومستقبله في الوطن العربي، فمن الصعب في هذه العجالة وضع تصور شامل عن هذا الموضوع الذي يحتاج إلى كتاب كامل للحديث عنه، فهو موضوع كبير، ولكن على أية حال، أرى إرهاصات لا بأس بها، قد تتمخص في المستقبل عن مشاريع أدبية ونقدية كبرى، خاصة من خلال ما يعرف بأدب الواقعية الرقمية، وما تتيحه شبكة المعلومات الدولية من فرص كبرى يمكن استثمارها أدبيا ونقديا، بل البعض ينادي الآن بنظرية أدبية جديدة من خلال الثورة الرقمية، ومن خلال ما ينشر رقميا على شبكة الإنترنت. وهو ـ كما نرى ـ موضوع جديد كل الجدة على واقعنا الأدبي والنقدي، والثقافي بعامة
* لو احترقت جميع مؤلفات الشاعر احمد فضل شبلول على سبيل الافتراض ..فالكتاب الذ ييتمنى إنقاذه من الحريق أولا هو؟ ولماذا؟
- لإجابة ليست سهلة، فكلهم كما قلت أولادي، ولكن إذا حدث ـ لا قدَّر الله ـ فأتمنى أن يُنقذ من الحريق "معجم شعراء الطفولة في الوطن العربي خلال القرن العشرين" لأنني بذلت فيه مجهودا كبيرا طول سنتين من البحث والتنقيب ومراسلة عدد كبير من الشعراء الذين كتبوا للأطفال وموجودين بيننا، وكانت استجابتهم أكثر من رائعة ـ منهم الشاعر الكبير سليمان العيسى على سبيل المثال ـ ولم أزل احتفظ بخطاباتهم وردودهم علي وتحميسهم لي في سبيل إنجاز هذا العمل الذي أعتقد أنه الوحيد على مستوى الوطن العربي، رغم ما شابه من بعض القصور.
وأتمنى أن أعكف على إصدار طبعة ثانية منه، ألحق بها الشعراء غير الموجودين بالطبعة الأولى ونماذج من أعمالهم الشعرية لأحبائنا الصغار.
وعن مدى اطلاعه على التجارب الأدبية في العراق، وعن تقييمه لهذه التجارب يقول شبلول :
( كنت اطلع على التجارب الأدبية في العراق من خلال مجلتي أقلام والطليعة الأدبية، فالعراق الحبيب منجم شعر ومختبر شعراء، لن أتحدث عن الراحلين: الجواهري وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، ويوسف الصائغ وغيرهم، والموجودين بيننا مثل: نازك الملائكة شفاها الله، ولميعة عباس عمارة، وسامي مهدي، وعبد الرزاق عبد الواحد، وحسب الشيخ جعفر، وغيرهم وغيرهم، فهؤلاء قدموا لنا تجارب عظيمة في الشعر العربي المعاصر، وفتوحات كبيرة، ولكن هناك جيل جديد يجب أن يسلط عليه الضوء من أمثال: علي الشلاه وعدنان الصائغ وجواد جميل ومدين الموسوي، وبلقيس حميد حسن، وحسين عنبر الركابي، وصبري الزبيدي، وقصي الشيخ عسكر، ومحمود محمد الدليمي، ووحيد خيون، وموفق محمد، وكلالة نوري، وغيرهم.
ومعظمهم ملتحم بقضايا العراق، ويحمل همَّ العراق، وآمال العراق. ومعظمهم التقيت بهم في ملتقى الشعر العراقي الذي نظمته مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري بالكويت في العام الماضي . )
* وعن مشاريعه المقبلة وهي كثيرة والحمد لله واهمها :
( تحت الطبع الآن كتاب في أدب الرحلات بعنوان "من استانبول إلى قرطبة"، وأتدرب حاليا على بعض برامج الكمبيوتر التي ربما تفيدني في الناحية الإبداعية مستقبلا، مثل برنامج فوتو شوب، الذي لم يسبق لي التعامل معه، فقد كان كل تركيزي ـ في السنوات السابقة ـ على برنامج الوورد. أيضا اتطلع إلى الانتهاء من اللمسات النهائية لكتاب عن إبداع المرأة العربية في الرواية والقصة والشعر. وقد سبق لي شرف الحصول على جائزة الجدارة والتميز ـ من جمعية نهوض وتنمية المرأة بالقاهرة ـ عن دراسة بعنوان "قراءة في الإبداع الروائي للمرأة المصرية"، ورأيت أن أعمم التجربة على بعض التجارب الإبداعية الأخرى في القصة والشعر، ليس للمرأة المصرية فحسب، ولكن لعدد آخر من الأديبات العربيات.
أيضا أجهز لطباعة ديوان جديد بعنوان "من علياء الإنترنت" وهو يسير في خط ديوان سابق بعنوان "تغريد الطائر الآلي".
أيضا هناك كتاب ينتظر لمسات أخيرة عن بعض الشعراء الشباب في مصر الذي تابعت أعمالهم وسعدت بتجاربهم الشعرية، وشاركت في مناقشة بعضها، ومنهم: أمل سعد، ومنال الشربيني، ومحمد خليفة الزهار، وبهاء الدين رمضان، وحسين أبو الحسين، وسناء الجبالي، ورجب لقي، وإسماعيل حلمي، وطارق عبد الغني، وعصام عبد الوهاب، وعمر عبد العزيز، ومحمد سعد شحاتة، وغيرهم.)
ولانه نائب رئيس اتحاد كتاب الانترنيت العرب، فهويرى مستقبل الثفافة الرقمية سيكون مزدهرا :
(أرى أن مستقبل الثقافة الرقمية العربية مزدهر للغاية، فإذا نظرنا إلى وجود أول اتحاد للكتاب والأدباء العرب، سنجده تأسس على أرض الواقع عام 1954 أثناء اجتماع بعض الكتاب والشعراء في بلودان بسوريا، ووقتها اقترح د. طه حسين فكرة اتحاد الكتاب العرب، أي بعد أكثر من خمسة قرون من اختراع المطبعة في القرن الخامس عشر الميلادي. ولكن اتحاد كتاب الإنترنت العرب يعلن عن ميلاده بعد حوالي عشر سنوات فقط من التعامل الأدبي والثقافي مع شبكة الإنترنت، ولهذا دلالته المهمة في سرعة التفكير وسرعة التعامل مع تقنيات العصر الرقمي، وهذا في حد ذاته مكسب للفكر العربي وللعقل العربي، حيث لم يتخلف هذا العقل وهذا الفكر عن مسايرة العصر الرقمي. وأنا متأكد تماما أن مئات المبدعين والكتاب العرب الذين يتعاملون مع الشبكة والذين لم ينضموا بعد لاتحادنا يفكرون الآن في الانضمام إلينا لنصير جميعا قوة ثقافية عربية لها وجودها الفاعل على شبكة الإنترنت. لذا تجدني متفائلا بمستقبل الثقافة الرقمية العربية التي ربما تعوض ما ينقصنا حاليا في الواقع الطبيعي، ومنه القيود المفروضة على حرية الفكر والإبداع، وعبور الكتب للحدود، وقراءة بعضنا بعضا، وما إلى ذلك.)
ـ أخيرا بودنا سماع أقرب مقاطعك الشعرية إلى نفسك ؟
إليك يا عزيزي "بين نهرين يمشي:
هناكَ ..
رأيتُ أبي ..
بين نهرين يمشي
ومن حولِهِ كانت الأغنياتُ
وكان النهارُ يصلِّي
رأيتُ أبي ..
ولكنه لم يشاهدْ خطايَ إليهِ
وكانت تُباعِدُ بيني وبين حنانِ يديهِ
طيورُ الظنون
ووهْمُ الصحارى
فناديتُهُ
ولكنه كان يمضي إلى نهرِهِ
ولم يلتفتْ للنداءِ الجريح
وقفتُ على حافة الحلمِ
وبين امتدادِ الطريقِ
وعمقِ السؤالْ
حوار مع جريدة الصباح العراقية، نشر عبر هذه الوصلة
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=24365
لمن أراد الاطلاع.

متحدثا عن ولده الجواهري
حسين القاصد : انا لا أشبه الشاعر حسين القاصد
حاوره ـ علي دنيف حسن

ما يشغل الشاعر حسين القاصد دائماً وأبداً ليس هم الشعر مطلقاً ، بل هم الأميين الذين تسيدوا الساحة الثقافية فضلاً عن الذين” ليس لهم علاقة “ بالثقافة . وهي أحكام القاصد النافذة والمؤبدة بحق الكثيرين من خلال اجاباته المختصرة بشأن رأيه في شخص ما . فالقاصد لايجيب الا بثلاث كلمات هي” ليس له علاقة “ وطوال معايشتي له لم أجده في يوم من الأيام يقرأ في كتاب أبداً ، ولم يحدثني مطلقاً عن كتاب قرأه بالامس . وفي اعتقادي أنه لايقرأ أبداً . ومع ذلك فهو يستمد سطوته من منبعين اساسيين لايمكن للطارئين الولوج اليهما هما قوة شعره وتبحره الممتاز بالنحو والبلاغة العربيةوفضلا عن ذلك فان القاصد فجر قنبلة من التساؤلات التي مازالت تداعياتها مستمرة عندما كتب قصيدة جعل من الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ولدا له . ما كنت أكره شيئاً اكثر من الشعر العمودي ، وخاصة بعد أن أصبح معلقات للحروب ، ومناسبات لمديح الظل العاري ، ووسائل لهشم الثريد على موائد اللئام ، لكن القاصد والمجموعة الطيبة معه استطاعوا اعادتي الى جادة الصواب بما كتبوه من اشعار ازالت الكدر والبثور عن وجه الشعر العراقي بعد سنوات المحنة . ولهذا كله التقيته وسألته اولاً :

* لاشيء فيك يشبه الشعر ، ترى كيف دخلت حديقة الشعراء واصبحت شاعراً ؟

ـ ما تقوله عني صحيح ، ولكني اسألك عن شكل الشعر المعتاد لكي أتقمصه فأنا أحفظ شكلاً واحداً واستهجنه دائماً اذ لست مضطراً للتحنط بـ” قاط “ وربطة عنق وأجلد نفسي في ظهرية تموز في مقهى فقراء بلا حدود وعندما يقدم لي أحد الجالسين قصيدة يطلب رأيي فيها ـ وهذا يحدث دائماً ـ سأعتذر باني لا أحمل نظارة وأطلب منه ان يتركها لي لأعطيه رأيي فيها في اليوم التالي . ولا أحضر طبعاً في ذلك اليوم لسبب بسيط هو ان” القاط “ اعدته لصاحبه . ولذلك سأغيب لمدة غير معلومة ، ولا أحضر الا بعد حصولي على” قاط “ آخر ، وبصحبتي كل المصطلحات التي تتحدث عن” بؤرة التوتر “ والسوسيولوجية أرخنة الوعي وشكلنة التماهي .. هل هذا هو شكل الشعر ياصديقي ؟ ألم يكن الشاعر انساناً؟ لماذا ينزع ذلك في البيت ويخرج الى ندواته بلا انسان ، لذلك اقول لك: أنا لا أشبه حسين القاصد”الشاعر “ لذلك على الشعر ان يتقمص شكلي ويترك” السكسوكة” والنظارة الطبية والحقيبة الفارغة .

* يرى البعض ان الشعر العمودي هو تراث بائد ، فقد حظه بسبب أفول منابر القوميين وخلو جيوبهم ، ما ردك على ذلك ؟

ـ دعني اسألك هل بعد كل مرحلة مدح يحدث هذا ؟ أم فقط بعد انهيار النظام المباد ؟ ففي العصر الأموي ظهر شعراء كبار مثل الفرزدق وجرير والأخطل والكميت وكلهم اجادوا المدح والهجاء ومنهم من مدح الأمويين والعلويين في آن واحد ، وعندما انهارت الدولة الأموية ، لم يجرؤ احد على الغاء القصيدة العمودية ، بل حتى الرسول (ص) لم يتجرأ على القصيدة العمودية الجاهلية لكونها كتبت عمودية وانتهى الأمر ، فالشعر العمودي لاعلاقة له بهذا النظام او ذاك او هذه الفئة او تلك .. واني لأعجب من نسبة شكل القصيدة الى مرحلة ما ، نعم ، لماذا لاننسب قصيدة النثر الى تلك المرحلة لكونها ازدهرت في ظل القوميين والاميين معاً. هذا الهجوم على القصيدة العمودية يقوده بعض الفارغين وبعض المعتاشين عليهم واعني بالمعتاشين اولئك الذين تبرعوا بالمقالات النقدية عن هؤلاء .. ومشكلة جميع هؤلاء انهم لايستطيعون رفع الفاعل الا بعد الاستعانة بأربعة اشخاص او أكثر . هؤلاء لهم الحق بالهجوم على القصيدة العمودية لانها تفضحهم ، وخاصة بعد ان ظهر جيل من الشباب بعد اختفاء ظاهرة(الحمندية ) من الشعر العراقي الا ان طبقة الأميين في الثقافة ما زالت تؤدي فعلها في هذا الوسط . فبمن نستعين لكي نتخلص من سلطة الاميين على الثقافة . * لو اصبحت حاكماً على مملكة الثقافة ، هل تعلن الأحكام العرفية ؟والى متى ستكون هذه الاحكام نافذة ؟ ـ لابد من قانون طوارىء يحمي الثقافة العراقية ، والشعر العراقي على وجه الخصوص ، لذا أقترح ان تشكل لجنة مركزية تطلب من كل شاعر ثلاث قصائد جديدة لم تنشر ولم تقرأ من قبل ويجب ان تكون اللجنة سرية جداً بحيث لايعرف عضو اللجنة زميله الآخر في اللجنة ذاتها .. ووظيفة هذه اللجنة هي فرز الشاعر عن الطارىء بعد حجب اسماء الشعراء عن القصائد ، عندها نقرر عدد الشعراء الحقيقيين في العراق ، لأن الضوضاء والضجيج وصلا الى الحد الذي لايحتمل ، لذلك وضمن الاحكام العرفية سيحق للشاعر المقبول التجول في فضاءات القصيدة، أما الذي لم يقبل فيعود من حيث أتى ، هو ومسؤول الصفحة الثقافية التي روجت له . * اتهامك للآخرين وتصديك لهم ، هل كان دفاعاً عن الثقافة العراقية ؟ أم ذوداً عن جناتك الواعدة ؟ ـ رغم اني أشم رائحة الاتهام في سؤالك هذا ، لكنني سأجيبك بحب ، جناتي الواعدة محرمة على الذين ارتكبوا حماقة الشعر ، ولايدخلها بالشعر الحقيقي . ولا أدافع عنها لأن جنودها وحرسها هم مئات الصور الجديدة والمبتكرة ، والقادرة على الدفاع عن ثمار هذه الجنات ، فأملاكها ليست لي وحدي بل ملك مشاع للثقافة العراقية ، اذن كيف لا أدافع عن ثقافة استحوذت على جناتي بحكم انتمائي اليها. * في ديوانك” حديقة الأجوبة “ قصائد كثيرة غير عمودية ،اعتقد انها لاترقى لشعرك العمودي وكأنها زائدة دودوية ، كيف تسللت هذه القصائد الى ديوانك ؟ ـ اذا كانت القصيدة عندي متفوقة على قصيدة التفعيلة او النثر عند الكثير من مجيدي الشكلين الاخيرين ، فهذا سبب بسيط لظهور ما تسميه بالزوائد الدودوية التي كتبت بقناعة ، لكنك اصبحت لاتميل لشكل غير الذي ألفته عني ، وربما اتحمل مسؤولية ذلك ، لأن القصيدة العمودية عندي اخذتك عن الشكلين الآخرين عند الكثير من الشعراء ، لذلك اصبحت تفارق بيني وبيني في شكلين احدهما ريادته لي وانت أحببته والثاني مشاع وقد كرهته انت بعد اعجابك بالشكل العمودي الذي اكتبه . * الى متى تبقى الاسماء المتآكلة ، ذات الأفق الهش وغير الواعي تحكم قبضتها على منبر الشعر العراقي ؟ وهل من سبيل لازاحتها من هذا الأرث ؟ ـ أنا اختلف معك في عزل الاسماء المتآكلة عن المنبر الشعري لسبب بسيط لاننا بحاجة ماسة لهم . وإلا كيف تعرف وتميز الشعر من اللاشعر . لقد كان هؤلاء وما زالوا اصحاب فضل علي ّ وعلى الكثيرين لأن ركاكتهم دفعت المتلقي للبحث عنا خلف المنبر وبالتالي فهم الذي ساعدوا في لمعان اسمائنا .
* والآن نعود الى قضية (ولدك ) الجواهري ، كيف حدث هذا ؟ هل هو خيال شعري او شطحة جاء بها التصور المحض ؟
-مع سقوط النظام الدكتاتوري ارتفعت بعض الاصوات للمطالبة بنقل رفاة الجواهري الى العراق ولكل ٍ من المطالبين بنقل الرفاة اسبابه لكن اهمها كون الجواهري كان معارضا وهنا سألت هل كان الجواهري الكبير معارضا لنظام من الانظمة التي حكمت العراق الم يكن شاعر بلاط بل ان مدحه للحكام تجاوز الحكام العراقيين ليصل حكام الدول المجاورة وبغض النظر عن هذا وذاك كان علي ان اتقنع بالعراق لاخاطب ولدي الجواهري الذي عانيت من جفائه ايام المحن والجوع والحصار لذاك لم تخل قصيدتي من المدح واللوم والعتب والفخر بي وبالعراقيين الصابرين فكنت انا العراق وولدي هو الجواهري الذي كان ولدا مدللا
* نادي الشعر .....هل نجح بأن يكون ناديا للشعر ام لا؟
نادي الشعر كان ناديا للشعر واتمنى من اصدقائي الموجودين فيه ان ينتبهوا ويحافظوا عليه بعيدا عن الحساسيات والطموح الشخصي اتمنى ان يعود للواجهة كما كان واشكر الذين مازالوا مصرين على استمراره وبقائه رغم المتاعب

* يتردد اسم نادي الشعرا كثيرا,وكنت انت رئيسه,لكن كيف تأسس؟

في منتصف التسعينيات وفي ذروة الجوع والحصار ظهرت حركة تجديدية في الشعر العراقي وكان هم شعرائها هو التجديد داخل الشكل وسرعان ما انتبه لها الجميع مدحا وذما وللاسف الذم مازال مستمرا فمنهم من اتهمنا بالسلفية ومنهم من اتهمنا بالتخلف والتقولب على القديم لكن قصائدنا اثبتت للجميع انها في الصدارة وان بساط الشعر بدأ يحن لنا تاركا الامجاد الكاذبة رغم انف النقد (ان وجد) ومع مرور الزمن تأسست روابط ادبية منها رابطة الرصافة التي رأسها الشاعر الرائع عارف الساعدي كما اني اسست رابطة كلية الاداب في جامعة بغداد وكانت تضم مجموعة من الاسماء اللامعة الان على رأسهم الشاعر الانسان جاسم بديوي مجموعة كبيرة كان همها الشعر وعندها اصدرنا مجلة اريج الكلمة وكان لرعاية شيخ النقاد العراقيين الاستاذ الدكتور عناد غزوان لي وللرابطة وللمجلة الدور الكبير في نمونا كاسماء جميعا رغم اننا نملك الكثير لكن الوسط الادبي في العراق لايتقبل الجديد بسهولة ومن كلية الاداب الى بيروت حيث حيث قمت بدعوة نخبة طيبة من الشعراء العراقيين لصحبتي الى بيروت منهم عمر السراي ومضر الالوسي واحمد جليل لويس وعندها وفي بيروت اختمرت فكرت تاسيس نادي الشعر وعندما عدت الى بغداد زرت شيخي عناد غزوان لافاتحهه في امرين الاول ان يرشح لرئاسة الاتحاد والثاني ان يوافق على تأسيس نادي الشعر
وفعلا رشح الكبير عناد غزوان واصبح اول رئيس منتخب بالاجماع لاتحاد الادباء العراقيين بعد ان كان الاميون يتقاسمون المناصب بعدها ذهبنا اليه انا وعمر السراي وذكرته بطلبي وقدمت له الشاعر الشاب عمر السراي وقلت له انه من الشعراء الجيدين فسمع منه ورحب بالفكرة وقال اكتب طلبا بتاسيس نادي الشعر فكتب عمر السراي طلبا بخط يده وقمت بتوقيعه فحصلت الموافقة لكن توفي عناد غزوان ومشروعنا مازال مبللا بالامل ففاتحنا الفريد سمعان الامين العام فوافق فاجرينا انتخابات ففزت برئاسة الدورة الاولى عندها ساهم نادي الشعر في لمعان اسماء جديدة ومنها من يعد كبيرا الان ولا اخفيك فالنادي لم يصنع شاعرا انما انتزع فرصة الظهور من الذين احتكروها سنينا وفي الدورة الثانية لم ارشح لاسباب كثيرة منها اني خاسر لامحالة بسبب سلاطة لساني على الطارئين السبب الاخر اني استطعت ان اجعل الذين يستحقون الظهور في الواجهة وهم الان من اهم الاسماء والان ونادي الشعر قي دورته الثالثة انا فرح بهذا الوليد الذي يكبر كما ان رئيسه الحالي الشاعر المبدع مروان عادل حمزة شاعر واداري حريص على النادي ونجاحه

* اتحاد الادباء والكتاب العراقيين ما موقعه من الاعراب؟وانتم كأدباء هل ساعدكم الاتحاد العتيد؟

- اتحادنا مازال يؤسس لنفسه رغم وجود البعض فيه ممن يحاولون جعله بستانا لقريش الاانه اتحاد جميل ومنتخب وحسناته اكثر من سيئاته .. نعم يسعى الاتحاد لمساعدة الادباء لكنه ليس بامكانه صنع ادباء وليس الادب في العراق مقتصرا على الاتحاد

* على من يبكي القاصد ؟

على ثلاثة ارباع اسمي التي ذابت بنيران دبابة اميركية عند ما قتل الاميركان اخي حسن ولم يبق من اسمي الا الياء

حسين القاصد في سطور :
ولد ببغداد في 2/5/1969 واكمل دراستها الابتدائية والثانوية في احيائها
طالب دراسات عليا - اللغة العربية وادابها في كلية الاداب جامعة بغداد
اهتم بكتابة الشعر في وقت مبكر من عمره حيث كتب اولى قصائده وهو في الثالث المتوسط لكنه لم يعلن عن نفسه شاعرا الا في النصف الثاني من التسعينيات ، حيث اشترك في العديد من المهرجانات داخل وخارج العراق واشرف على تنظيم الكثير منها واقام مهرجانا كبيرا بمفرده حيث ضم اكبر شعراء العراق من كافة المحافظات
صدر له ديوانه الاول الموسوم( حديقة الاجوبة) عن اتحاد الادباء والكتاب العرب في دمشق عام 2004
صدر ديوانه الثاني( اهزوجة الليمون) في بغداد عام 2006
له في الطريق الى الطبع ديوان ثالث بعنوان تفاحة في يدي الثالثة وديوان رابع اسمه ماتيسر من دموع الروح ورواية بعنوان مضيق الحناء ومسرحية بعنوان (هفوة في علبة الوقت) وقد ترجمت قصائد ديوانه الاول الى اللغتين الانكليزية والاسبانية لكن المؤسسة الثقافية العراقية لم تطبع له اي كتاب
حسين القاصد عمل في الصحافة واصدر مجلة ( اريج الكلمة ) في زمن كان ممنوعا فيه التكلم وتعرض للملاحقة الامنية بعد عددها الرابع الامرما ادى الى توقفها، عمل مسؤولا للقسم الثقافي في اكثر من صحيفة ،عمل سكرتيرا تنفيذيا لمجلة الاديب العراقي التي تصدر عن الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق كما عمل مشرفا لغويا في مجلة الثقافة الاجنبية التي تصدر عن وزارة الثقافة ، نال العديد من الجوائز في الشعر واسس نادي الشعر في اتحاد الادباء مع مجموعة من اصدقائه ورأس دورته الاولى
كتبت عنه عشرات المقالات النقدية داخل وخارج العراق اهمها مقالات شيخ النقاد العراقيين الراحل الدكتور عناد غزوان ومقالات الدكتور حسين سرمك حسن والدكتور محمد حسين الاعرجي .


التفاعلية:السـمة الغائبـة عن الاعلام العراقي



علي دنيف حسن
26/1/2008




لاشك ان هناك تمايزا بين منتج المعلومة- الخبر ”المرسل، المتصل“ ومستهلكها ”المتلقي- المستلم“ وهو تمايز يبدو اشد وضوحا عندما تنتظر وسيلة اعلام محلية وسائل الاعلام الاجنبية عسى ان تبث اخبارا ومعلومات عن حدث محلي وذلك ما يعزز تعالي المرسل على المتلقي ويؤسس لتبعية الثاني للاول.فامتلاك المعلومة ليس بالامر الهين والبسيط، وهو ما يدفع نحو قبول النظرية القائلة بان حربنا القادمة ”الكونية“ ستكون حربا معلوماتية وليست حربا من اجل الطاقة او المياه كما يتصور البعض.لقد لعب هذا التمايز وهذه التبعية منذ تأسيس وانبثاق وسائل الاعلام المختلفة دورا مهما في احتكار المعلومات واستخدامها استخداما سيئا في التحكم بمصائر الجماهير. ولقد اودى هذه السلوك في وقت مبكر بحياة الكثير من المصطلحات التي رافقت وسائل الاعلام واهمها”السلطة الرابعة “ وهي السلطة التي اعتقد انها ستكون موازية للسلطات الثلاث، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية وانها ستحافظ على مستوى عادل من التوازن السياسي والاجتماعي والاقتصادي لكن الملاحظ ان هذه السلطة ذهبت ضحية لسلطة السياسة والمال والاعلان، وجردت من كل الآمال المعقودة عليها انسانيا، بل لقد باتت وسائل الاعلام الذراع”المسلح “ لرأس المال والسياسة والاعلان في تنفيذ برامج استلاب ممتلكات وعقول الجماهير ويمكن تلمس مقدار ما ارتكبته وسائل الاعلام من اخطاء وجرائم بحق الانسانية من خلال ما فضحه ووثقه هربرت شيلر في كتابه ”المتلاعبون بالعقول“ وكذلك من خلال ما وضعه جيمس بينيت، وتوماس ديلو رينزو في كتابهما ”الاكاذيب الرسمية، كيف تظللنا واشنطن؟“ فضلا عن العديد من الكتب والمنشورات الاخرى.إعادة التوازنلقد كان لعميات الالتفاف العديدة التي جرت على الاهداف الاساسية والسامية للسلطة الرابعة ان نجحت في افراغها من محتواها الانساني، فلم تلبث هذه السلطة الا قليلا لتصطف مع سلطة السياسة والمال والاعلان، ولتبدأ رحلتها ونشاطها المحموم في تشكيل عوالمنا الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ولتعطيها تصورات وابعاداً تصب في سلطة ثالوث السياسة والمال والاعلان، وفي الوقت الذي بدت السلطة الرابعة في الذود عن حمى اقتصاد السوق وبرامجه في اوج نشاطها وديمومتها اعلن الكثيرون عن موتها مبشرين بسلطة خامسة ستدافع عن حقوق الجماهير وتطلعاتها في الديمقراطية والتنمية وحقوق الانسان، ومن هؤلاء ايناسو رومانيه الذي بشر بمولد السلطة الخامسة مع بداية الالفية الجديدة بعد ان فطن الى ان قوة العولمة الليبرالية والمجموعات الاعلامية القائمة على اقتصاد السوق قد اطلقت رصاصة الرحمة على السلطة الرابعة وافرغتها من وظيفتها الاساسية.ويراهن رومانيه وغيره الكثير ممن يحاولون ويأملون في اعادة وسائل الاعلام الى سابق عهدها بوصفها سلطة الجماهير ولسان حالهم المعبر عن آمالهم وطموحاتهم وتطلعاتهم في الحرية والعدالة والمساواة على مبدأ التفاعلية وهي الحالة التي يتحول فيها المتلقي ”السلبي“ في العملية الاتصالية الى متصل ”ايجابي“ في العملية نفسها، بمعنى آخر، ان المتلقي يصبح متلقيا ومتصلا، وكذلك الحال بالنسبة للمتصل اذ يصبح متلقيا ومتصلا في الوقت ذاته، وبهذا التوجه تتحول عملية الاتصال من شكلها الخطي”مرسل- متصل “ الى شكلها الدائري”مرسل- متلقي “. وبذلك يتعزز رجع الصدى، ويصبح ذا قيمة اكثر نفعا وجدوى، بل ويصبح ركنا اساسا لا يمكن اغفاله او تجاوزه في عمليات الاتصال، عندها فقط يمكن للتمايز والتعالي ان يغيبا عن النشاط الاتصالي بعد ان يصبح طرفاه ”المتلقي والمتصل“ مكملين لبعضهما ومتساويين في القيمة المعرفية، وكل ذلك يعزز ويكرس الافكار والطروحات المتعلقة بعالمنا الجديد، لاسيما في التنمية والديمقراطية وحقوق الانسان، وبهذا الشكل ايضا، يمكن التخلص من هيمنة مخالب ووحشية الثالوث المرعب: السياسة والمال والاعلان، لبناء شراكة انسانية.التفاعلية في الإعلام العراقيعلى الرغم من حداثة مفهوم التفاعلية في وسائل الاتصال والاعلام الا ان بامكاننا تلمس جذورها في العراق، ويمكن فرز ذلك من خلال مرحلتين هما:1. المرحلة التي سبقت سقوط النظام السابق في 9/ 4/ 2003.2. المرحلة التي تلت ذلك التاريخ.المرحلة الأولىكانت التفاعلية في هذه المرحلة ضعيفة جداً ومن النوع النمطي والروتيني الذي لا يعبر عن نفسه الا في الاحداث الكبرى لاسيما السياسية والاجتماعية، فعلى مستوى الصحافة كانت صفحة القراء او”مع القراء “ هي الصفحة الوحيدة واليتيمة التي يرد من خلالها على رسائل القراء ومقترحاتهم ونتاجاتهم الادبية فضلا عن الصفحات المخصصة لشكاوى القراء ”المواطنين“ واغلبها شكاوى خاصة بالخدمات العامة وبالمشاكل الوظيفية، وكانت اغلب الصحف تخلو من آراء المواطنين لاسيما في المرحلة الممتدة من 1968- 2003 ويمكن الاشارة كذلك الى وجود صفحات تتعلق بالاستشارات الصحية والقانونية والشرعية.ولم تكن هذه الصفحات: القراء، الشكاوى، الصحية، القانونية، الشرعية ثابتة، بل كانت تتعرض للحجب بين مدة واخرى، تبعا لسياسات النظام الحاكم ولمزاج رؤساء التحرير بدعوى التجديد والتطوير وملاحقة مستجدات الاعلام الجديد، ويمكن القول ان هذه الصفحات كانت بمجملها هامشية، وليس لها اي دور في رسم سياسات الصحف او بلورتها نحو آفاق جديدة.اما على مستوى الاذاعة والتلفزيون فان تفاعلية الجمهور مع هاتين الوسيلتين كانت قد انحصرت في”مايطلبه المستمعون “ و”ما يطلبه المشاهدون “ فضلا عن برقيات التأييد والاستنكار التي تطفح على السطح كلما اراد النظام السياسي ذلك، وتم خنق الكثير من البرامج الاذاعية والتلفزيونية التي كانت تتمتع بجرأة لا مثيل لها في عرض مشاكل المواطنين وواقعهم المر والبائس من خلال الصوت الصورة، ومع ذلك حفلت الكثير من البرامج برسائل يكتبها المستمعون والمشاهدون ولكنها كانت رسائل خائفة من بطش السلطة، ولذلك كانت مداهنة ومنافقة، تبتعد عن الحقائق كلما تسنى لها ذلك، وهي بعد ذلك قليلة جدا، ولا تشكل نسبة مهمة اذا ما قيست بالحجم الكلي للجمهور العراقي.اما على مستوى الاتصال الهاتفي فقد اسست الكثير من البرامج الاذاعية والتلفزيونية المستفيدة من هذه الخاصية ولكن الاتصالات وهذا امر يعرفه الجميع، لم تكن حرة ومباشرة، بل كانت تخضع لعمليات انتقاء ودبلجة وكانت تمر من خلال حراس بوابات عديدين يحذفون منها كل ما يمس او يشوه صورة النظام السياسي، ومع ذلك، فان مثل هذه البرامج كانت تموت بالسرعة نفسها التي ولدت فيها، ولم تكن معبرة بشكل تام عن طبيعة وواقع وطموحات الجمهور، غير انها، وعلى الرغم من كل ذلك اسست ولو بشكل غير ما يطمح اليه، اول تجارب رجع الصدى وهي التجارب التي افلت وزاد افولها حتى وصلت مرحلة العدم لاحقا.المرحلة الثانيةشهدت مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق في9 / 4/ 2003 انفتاحا على مختلف الصعد لاسيما في مجال الاتصال ووسائل الاعلام. فقد تطورت الاتصالات الهاتفية مع استخدام الهاتف المحمول او الجوال”الموبايل“ وتعددت القنوات التلفزيونية الملتقطة باستخدام الطبق الفضائي”الدش “ وازداد عدد الصحف والمجلات والدوريات المختلفة في العاصمة والمحافظات العراقية، ورافق كل هذا انطلاق العديد من الاذاعات والقنوات التلفزيونية الارضية والفضائية، كما استطاع المواطنون الافادة من شبكة المعلومات الدولية”الانترنت “ لاسيما من خدمة البريد الالكتروني لما تتصف به من مجانية وسرعة ودقة فائقين وانشئت تبعا لذلك العديد من مراكز او مقاهي الانترنت، واستطاع الكثير من وسائل الاعلام ان تؤسس لنفسها مواقع على شبكة الانترنت، وهو ما جعلها متاحة ومجانية لشريحة كبيرة من المتصفحين، غير ان هذا الاتساع والانتشار لم يقابله وللاسف اي توسع في مجال التفاعلية ولم تستثمر وسائل الاعلام هذه التقنيات المتاحة للافادة من رجع الصدى لتعزيز، ولا نقول تصحيح مساراتها وبناء توجهاتها تبعا لرغبات الجمهور، فبقي الاتصال خطيا من المتصل الى المستلم فقط، اي بلا تفاعل.من الواضح ان الصفحات المتعلقة بشكاوى المواطنين اصبحت يومية واكثر اتساعا وحيوية تبعا للفوضى وحالة انعدام الامن وتردي الخدمات وتفشي الفساد المالي والاداري التي عاشها العراق بعد سقوط النظام، كما ان الجمهور اصبح اكثر اطلاعا على المزيد من التقنيات الجديدة في مجالات العلوم والفنون والاداب واصبحت اكثر الصحف تفرد مساحات واسعة للرأي لاسيما الرأي الذي يدعم سياستها وتوجهها الايديولوجي، لكن الجمهور بشكل عام بدا غير مشارك بصورة فعالة، فرسائل المواطنين عبر البريد الالكتروني”المجاني “ تعد على اصابع اليد يوميا في اكثر الصحف ما يعني ان الجمهور كان وما يزال بعيدا عن مرحلة التفاعل وابداء الرأي، وهذا ما يحتاج لدراسة وبحث استقصائي مستقل بنفسه خارج متن هذا الموضوع، لكننا مع ذلك، يمكننا اكتشاف الفارق بين ما تقدمه وسائل الاعلام العراقية وما تقدمه الكثير من وسائل الاعلام العربية فالثانية تنشر صندوقا ((Box تحت كل موضوع من مواضيعها المنشورة على مواقعها الالكترونية يحمل عبارة”هل لديك تعليق على الموضوع “ ويمكن لاي متصفح للموقع المشاركة برأيه مهما كان هذا الرأي سلبا او ايجابا ويمكن ملاحظة ذلك من خلال موقع جريدة”الشرق الاوسط “ و”العربية نت “ و”ايلاف “ وغير ذلك من المواقع، كما يمكن من خلال ذلك مشاهدة وقياس مستوى تفاعل الجمهور مع المواد والمواضيع المطروحة على الموقع، وتخلو اغلب المواقع الالكترونية للصحف العراقية من هذه الميزة وهذا ما يجعلها بلا تفاعلية وبعيدة عن استقصاء آراء الجمهور ومعرفة رغباته وتوجهاته.اما على مستوى الاذاعة والتلفزيون والبث الفضائي فكانت التفاعلية موجودة بشكل اكثر وضوحا في برامج التسلية فقط كبرامج المسابقات سواء كانت فكرية او رياضية او موسيقية او شعبية، ولم تتعد هذا المجال كما انها لم تكن تفاعلية بمعنى الكلمة اي منقولة مباشرة، بل ان اغلبها يسجل ثم تجرى عليه عمليات مونتاج عديدة ليبث بعد ذلك وكأنه على الهواء مباشرة، وبمعنى اخر ان التفاعلية الموجودة في هذه الوسائل بدت عاجزة عن مناقشة واقع الجماهير وما يعج فيه من مشاكل وسلبيات وترد واضح في الخدمات.وعلى مستوى النشر الالكتروني فان الحال لم يكن باحسن مما قلناه سابقا، اذ يمكن تحديد ثلاثة اشكال من النشر الالكتروني هي الاكثر سيادة في هذا المجال هي: المواقع الالكترونية لوسائل الاعلام العراقية وقد سبق الحديث عنها، والمواقع الشخصية واغلبها ذو طابع ادبي او فني، اي انها مواقع قام بتأسيسها عدد من الفنانين والادباء وهي تعنى بنتاجاتهم الادبية والفنية، اما المواقع الحكومية اي مواقع الوزارات والمؤسسات والهيئات والدوائر التابعة لها، فالحديث عنها ذو شجون كما يقال، فهي مواقع لا تعرف التحديث، اذ ان اغلب ما منشور على صفحاتها يتصف بالقدم، كما انها لا ترد على رسالة مرسل ولا تجيب على سؤال سائل، لدرجة لا نعرف الغرض من تأسيسها ونشرها على الشبكة اذا كانت غير فاعلة الى هذه الدرجة من اليأس، فيما المفروض ان تحتوي على معلومات واسعة مكثفة ليستفيد منها الباحث والدارس.وتبقى بعض المواقع التي تتسم بشيء من التفاعلية وهي قليلة جدا ولكنها تعمد على حجب الآراء والكتابات التي لا تتلاءم مع توجهاتهم او تلك التي تمس رموزا محببة لديها.الخلاصةيمكن تلخيص موضوع التفاعلية في الاعلام العراقي بعدة نقاط ابرزها: - ان التفاعلية اساسا ترتبط بشكل وآخر بمستوى وطبيعة حقوق الانسان ومدى اتساع حرية الرأي والتعبير، وهي تضيق وتنعدم كلما تقلصت تلك الاطر والمساحات.- بقيت التفاعلية في الاعلام العراقي محصورة في صفحات التسلية والشكاوى والمسابقات وفي البرامج المختصة بهذه القضايا لانها غير قادرة على معالجة قضايا الجمهور المصيرية بسبب الخوف وعدم توفر الامن والحماية لاصحاب الرأي والكلمة.- يلاحظ ان المواقع الالكترونية العراقية الموجودة خارج البلاد هي الاكثر جرأة في نشر آراء الجمهور ومشاكلهم والاكثر قدرة كذلك على التعامل مع قضايا يعد التعامل معها خطرا داخل البلاد.- يمكن للتفاعلية المشاركة بشكل فعال في تأسيس العراق الجديد من خلال ما يقدمه الجمهور المتفاعل مع الاحداث من وثائق ومعلومات قد لا تحصل عليها السلطات المختصة بسهولة كما انها تدعم مسيرة العدالة والديمقراطية والحريات في البلاد.- يمكن اعتبار التفاعلية مقياسا لانتشار اية وسيلة اعلامية فمن خلال ردود الجمهور ومشاركاتهم يتوضح مدى انتشار رسائل الوسيلة الاعلامية بين الاوساط الجماهيرية .

منشور على هذا الرابط في جريدة الصباح البغدادية :


http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage
&sid=55866