السبت، 19 أبريل 2008


التفاعلية:السـمة الغائبـة عن الاعلام العراقي



علي دنيف حسن
26/1/2008




لاشك ان هناك تمايزا بين منتج المعلومة- الخبر ”المرسل، المتصل“ ومستهلكها ”المتلقي- المستلم“ وهو تمايز يبدو اشد وضوحا عندما تنتظر وسيلة اعلام محلية وسائل الاعلام الاجنبية عسى ان تبث اخبارا ومعلومات عن حدث محلي وذلك ما يعزز تعالي المرسل على المتلقي ويؤسس لتبعية الثاني للاول.فامتلاك المعلومة ليس بالامر الهين والبسيط، وهو ما يدفع نحو قبول النظرية القائلة بان حربنا القادمة ”الكونية“ ستكون حربا معلوماتية وليست حربا من اجل الطاقة او المياه كما يتصور البعض.لقد لعب هذا التمايز وهذه التبعية منذ تأسيس وانبثاق وسائل الاعلام المختلفة دورا مهما في احتكار المعلومات واستخدامها استخداما سيئا في التحكم بمصائر الجماهير. ولقد اودى هذه السلوك في وقت مبكر بحياة الكثير من المصطلحات التي رافقت وسائل الاعلام واهمها”السلطة الرابعة “ وهي السلطة التي اعتقد انها ستكون موازية للسلطات الثلاث، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية وانها ستحافظ على مستوى عادل من التوازن السياسي والاجتماعي والاقتصادي لكن الملاحظ ان هذه السلطة ذهبت ضحية لسلطة السياسة والمال والاعلان، وجردت من كل الآمال المعقودة عليها انسانيا، بل لقد باتت وسائل الاعلام الذراع”المسلح “ لرأس المال والسياسة والاعلان في تنفيذ برامج استلاب ممتلكات وعقول الجماهير ويمكن تلمس مقدار ما ارتكبته وسائل الاعلام من اخطاء وجرائم بحق الانسانية من خلال ما فضحه ووثقه هربرت شيلر في كتابه ”المتلاعبون بالعقول“ وكذلك من خلال ما وضعه جيمس بينيت، وتوماس ديلو رينزو في كتابهما ”الاكاذيب الرسمية، كيف تظللنا واشنطن؟“ فضلا عن العديد من الكتب والمنشورات الاخرى.إعادة التوازنلقد كان لعميات الالتفاف العديدة التي جرت على الاهداف الاساسية والسامية للسلطة الرابعة ان نجحت في افراغها من محتواها الانساني، فلم تلبث هذه السلطة الا قليلا لتصطف مع سلطة السياسة والمال والاعلان، ولتبدأ رحلتها ونشاطها المحموم في تشكيل عوالمنا الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ولتعطيها تصورات وابعاداً تصب في سلطة ثالوث السياسة والمال والاعلان، وفي الوقت الذي بدت السلطة الرابعة في الذود عن حمى اقتصاد السوق وبرامجه في اوج نشاطها وديمومتها اعلن الكثيرون عن موتها مبشرين بسلطة خامسة ستدافع عن حقوق الجماهير وتطلعاتها في الديمقراطية والتنمية وحقوق الانسان، ومن هؤلاء ايناسو رومانيه الذي بشر بمولد السلطة الخامسة مع بداية الالفية الجديدة بعد ان فطن الى ان قوة العولمة الليبرالية والمجموعات الاعلامية القائمة على اقتصاد السوق قد اطلقت رصاصة الرحمة على السلطة الرابعة وافرغتها من وظيفتها الاساسية.ويراهن رومانيه وغيره الكثير ممن يحاولون ويأملون في اعادة وسائل الاعلام الى سابق عهدها بوصفها سلطة الجماهير ولسان حالهم المعبر عن آمالهم وطموحاتهم وتطلعاتهم في الحرية والعدالة والمساواة على مبدأ التفاعلية وهي الحالة التي يتحول فيها المتلقي ”السلبي“ في العملية الاتصالية الى متصل ”ايجابي“ في العملية نفسها، بمعنى آخر، ان المتلقي يصبح متلقيا ومتصلا، وكذلك الحال بالنسبة للمتصل اذ يصبح متلقيا ومتصلا في الوقت ذاته، وبهذا التوجه تتحول عملية الاتصال من شكلها الخطي”مرسل- متصل “ الى شكلها الدائري”مرسل- متلقي “. وبذلك يتعزز رجع الصدى، ويصبح ذا قيمة اكثر نفعا وجدوى، بل ويصبح ركنا اساسا لا يمكن اغفاله او تجاوزه في عمليات الاتصال، عندها فقط يمكن للتمايز والتعالي ان يغيبا عن النشاط الاتصالي بعد ان يصبح طرفاه ”المتلقي والمتصل“ مكملين لبعضهما ومتساويين في القيمة المعرفية، وكل ذلك يعزز ويكرس الافكار والطروحات المتعلقة بعالمنا الجديد، لاسيما في التنمية والديمقراطية وحقوق الانسان، وبهذا الشكل ايضا، يمكن التخلص من هيمنة مخالب ووحشية الثالوث المرعب: السياسة والمال والاعلان، لبناء شراكة انسانية.التفاعلية في الإعلام العراقيعلى الرغم من حداثة مفهوم التفاعلية في وسائل الاتصال والاعلام الا ان بامكاننا تلمس جذورها في العراق، ويمكن فرز ذلك من خلال مرحلتين هما:1. المرحلة التي سبقت سقوط النظام السابق في 9/ 4/ 2003.2. المرحلة التي تلت ذلك التاريخ.المرحلة الأولىكانت التفاعلية في هذه المرحلة ضعيفة جداً ومن النوع النمطي والروتيني الذي لا يعبر عن نفسه الا في الاحداث الكبرى لاسيما السياسية والاجتماعية، فعلى مستوى الصحافة كانت صفحة القراء او”مع القراء “ هي الصفحة الوحيدة واليتيمة التي يرد من خلالها على رسائل القراء ومقترحاتهم ونتاجاتهم الادبية فضلا عن الصفحات المخصصة لشكاوى القراء ”المواطنين“ واغلبها شكاوى خاصة بالخدمات العامة وبالمشاكل الوظيفية، وكانت اغلب الصحف تخلو من آراء المواطنين لاسيما في المرحلة الممتدة من 1968- 2003 ويمكن الاشارة كذلك الى وجود صفحات تتعلق بالاستشارات الصحية والقانونية والشرعية.ولم تكن هذه الصفحات: القراء، الشكاوى، الصحية، القانونية، الشرعية ثابتة، بل كانت تتعرض للحجب بين مدة واخرى، تبعا لسياسات النظام الحاكم ولمزاج رؤساء التحرير بدعوى التجديد والتطوير وملاحقة مستجدات الاعلام الجديد، ويمكن القول ان هذه الصفحات كانت بمجملها هامشية، وليس لها اي دور في رسم سياسات الصحف او بلورتها نحو آفاق جديدة.اما على مستوى الاذاعة والتلفزيون فان تفاعلية الجمهور مع هاتين الوسيلتين كانت قد انحصرت في”مايطلبه المستمعون “ و”ما يطلبه المشاهدون “ فضلا عن برقيات التأييد والاستنكار التي تطفح على السطح كلما اراد النظام السياسي ذلك، وتم خنق الكثير من البرامج الاذاعية والتلفزيونية التي كانت تتمتع بجرأة لا مثيل لها في عرض مشاكل المواطنين وواقعهم المر والبائس من خلال الصوت الصورة، ومع ذلك حفلت الكثير من البرامج برسائل يكتبها المستمعون والمشاهدون ولكنها كانت رسائل خائفة من بطش السلطة، ولذلك كانت مداهنة ومنافقة، تبتعد عن الحقائق كلما تسنى لها ذلك، وهي بعد ذلك قليلة جدا، ولا تشكل نسبة مهمة اذا ما قيست بالحجم الكلي للجمهور العراقي.اما على مستوى الاتصال الهاتفي فقد اسست الكثير من البرامج الاذاعية والتلفزيونية المستفيدة من هذه الخاصية ولكن الاتصالات وهذا امر يعرفه الجميع، لم تكن حرة ومباشرة، بل كانت تخضع لعمليات انتقاء ودبلجة وكانت تمر من خلال حراس بوابات عديدين يحذفون منها كل ما يمس او يشوه صورة النظام السياسي، ومع ذلك، فان مثل هذه البرامج كانت تموت بالسرعة نفسها التي ولدت فيها، ولم تكن معبرة بشكل تام عن طبيعة وواقع وطموحات الجمهور، غير انها، وعلى الرغم من كل ذلك اسست ولو بشكل غير ما يطمح اليه، اول تجارب رجع الصدى وهي التجارب التي افلت وزاد افولها حتى وصلت مرحلة العدم لاحقا.المرحلة الثانيةشهدت مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق في9 / 4/ 2003 انفتاحا على مختلف الصعد لاسيما في مجال الاتصال ووسائل الاعلام. فقد تطورت الاتصالات الهاتفية مع استخدام الهاتف المحمول او الجوال”الموبايل“ وتعددت القنوات التلفزيونية الملتقطة باستخدام الطبق الفضائي”الدش “ وازداد عدد الصحف والمجلات والدوريات المختلفة في العاصمة والمحافظات العراقية، ورافق كل هذا انطلاق العديد من الاذاعات والقنوات التلفزيونية الارضية والفضائية، كما استطاع المواطنون الافادة من شبكة المعلومات الدولية”الانترنت “ لاسيما من خدمة البريد الالكتروني لما تتصف به من مجانية وسرعة ودقة فائقين وانشئت تبعا لذلك العديد من مراكز او مقاهي الانترنت، واستطاع الكثير من وسائل الاعلام ان تؤسس لنفسها مواقع على شبكة الانترنت، وهو ما جعلها متاحة ومجانية لشريحة كبيرة من المتصفحين، غير ان هذا الاتساع والانتشار لم يقابله وللاسف اي توسع في مجال التفاعلية ولم تستثمر وسائل الاعلام هذه التقنيات المتاحة للافادة من رجع الصدى لتعزيز، ولا نقول تصحيح مساراتها وبناء توجهاتها تبعا لرغبات الجمهور، فبقي الاتصال خطيا من المتصل الى المستلم فقط، اي بلا تفاعل.من الواضح ان الصفحات المتعلقة بشكاوى المواطنين اصبحت يومية واكثر اتساعا وحيوية تبعا للفوضى وحالة انعدام الامن وتردي الخدمات وتفشي الفساد المالي والاداري التي عاشها العراق بعد سقوط النظام، كما ان الجمهور اصبح اكثر اطلاعا على المزيد من التقنيات الجديدة في مجالات العلوم والفنون والاداب واصبحت اكثر الصحف تفرد مساحات واسعة للرأي لاسيما الرأي الذي يدعم سياستها وتوجهها الايديولوجي، لكن الجمهور بشكل عام بدا غير مشارك بصورة فعالة، فرسائل المواطنين عبر البريد الالكتروني”المجاني “ تعد على اصابع اليد يوميا في اكثر الصحف ما يعني ان الجمهور كان وما يزال بعيدا عن مرحلة التفاعل وابداء الرأي، وهذا ما يحتاج لدراسة وبحث استقصائي مستقل بنفسه خارج متن هذا الموضوع، لكننا مع ذلك، يمكننا اكتشاف الفارق بين ما تقدمه وسائل الاعلام العراقية وما تقدمه الكثير من وسائل الاعلام العربية فالثانية تنشر صندوقا ((Box تحت كل موضوع من مواضيعها المنشورة على مواقعها الالكترونية يحمل عبارة”هل لديك تعليق على الموضوع “ ويمكن لاي متصفح للموقع المشاركة برأيه مهما كان هذا الرأي سلبا او ايجابا ويمكن ملاحظة ذلك من خلال موقع جريدة”الشرق الاوسط “ و”العربية نت “ و”ايلاف “ وغير ذلك من المواقع، كما يمكن من خلال ذلك مشاهدة وقياس مستوى تفاعل الجمهور مع المواد والمواضيع المطروحة على الموقع، وتخلو اغلب المواقع الالكترونية للصحف العراقية من هذه الميزة وهذا ما يجعلها بلا تفاعلية وبعيدة عن استقصاء آراء الجمهور ومعرفة رغباته وتوجهاته.اما على مستوى الاذاعة والتلفزيون والبث الفضائي فكانت التفاعلية موجودة بشكل اكثر وضوحا في برامج التسلية فقط كبرامج المسابقات سواء كانت فكرية او رياضية او موسيقية او شعبية، ولم تتعد هذا المجال كما انها لم تكن تفاعلية بمعنى الكلمة اي منقولة مباشرة، بل ان اغلبها يسجل ثم تجرى عليه عمليات مونتاج عديدة ليبث بعد ذلك وكأنه على الهواء مباشرة، وبمعنى اخر ان التفاعلية الموجودة في هذه الوسائل بدت عاجزة عن مناقشة واقع الجماهير وما يعج فيه من مشاكل وسلبيات وترد واضح في الخدمات.وعلى مستوى النشر الالكتروني فان الحال لم يكن باحسن مما قلناه سابقا، اذ يمكن تحديد ثلاثة اشكال من النشر الالكتروني هي الاكثر سيادة في هذا المجال هي: المواقع الالكترونية لوسائل الاعلام العراقية وقد سبق الحديث عنها، والمواقع الشخصية واغلبها ذو طابع ادبي او فني، اي انها مواقع قام بتأسيسها عدد من الفنانين والادباء وهي تعنى بنتاجاتهم الادبية والفنية، اما المواقع الحكومية اي مواقع الوزارات والمؤسسات والهيئات والدوائر التابعة لها، فالحديث عنها ذو شجون كما يقال، فهي مواقع لا تعرف التحديث، اذ ان اغلب ما منشور على صفحاتها يتصف بالقدم، كما انها لا ترد على رسالة مرسل ولا تجيب على سؤال سائل، لدرجة لا نعرف الغرض من تأسيسها ونشرها على الشبكة اذا كانت غير فاعلة الى هذه الدرجة من اليأس، فيما المفروض ان تحتوي على معلومات واسعة مكثفة ليستفيد منها الباحث والدارس.وتبقى بعض المواقع التي تتسم بشيء من التفاعلية وهي قليلة جدا ولكنها تعمد على حجب الآراء والكتابات التي لا تتلاءم مع توجهاتهم او تلك التي تمس رموزا محببة لديها.الخلاصةيمكن تلخيص موضوع التفاعلية في الاعلام العراقي بعدة نقاط ابرزها: - ان التفاعلية اساسا ترتبط بشكل وآخر بمستوى وطبيعة حقوق الانسان ومدى اتساع حرية الرأي والتعبير، وهي تضيق وتنعدم كلما تقلصت تلك الاطر والمساحات.- بقيت التفاعلية في الاعلام العراقي محصورة في صفحات التسلية والشكاوى والمسابقات وفي البرامج المختصة بهذه القضايا لانها غير قادرة على معالجة قضايا الجمهور المصيرية بسبب الخوف وعدم توفر الامن والحماية لاصحاب الرأي والكلمة.- يلاحظ ان المواقع الالكترونية العراقية الموجودة خارج البلاد هي الاكثر جرأة في نشر آراء الجمهور ومشاكلهم والاكثر قدرة كذلك على التعامل مع قضايا يعد التعامل معها خطرا داخل البلاد.- يمكن للتفاعلية المشاركة بشكل فعال في تأسيس العراق الجديد من خلال ما يقدمه الجمهور المتفاعل مع الاحداث من وثائق ومعلومات قد لا تحصل عليها السلطات المختصة بسهولة كما انها تدعم مسيرة العدالة والديمقراطية والحريات في البلاد.- يمكن اعتبار التفاعلية مقياسا لانتشار اية وسيلة اعلامية فمن خلال ردود الجمهور ومشاركاتهم يتوضح مدى انتشار رسائل الوسيلة الاعلامية بين الاوساط الجماهيرية .

منشور على هذا الرابط في جريدة الصباح البغدادية :


http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage
&sid=55866

ليست هناك تعليقات: