
بعد أن غبن النظام السابق حقوقه
الشاعر محمد جواد الغبان يروي سيرته
حاوره- علي دنيف حسن
ولد الشاعر محمد جواد الغبان في مدينة النجف الأشرف عام 1930 ونشأ وتربى في ظل والده سماحة المغفور له الشيخ عبد الكاظم الغبان احد مجتهدي الحوزة العلمية في النجف ،وخاله المغفورله الشيخ محمد علي اليعقوبي عميد الرابطة الأدبية في النجف، وتتلمذ الغبان على يد نخبة من اعلام الحوزة العلمية ، كان على رأسهم استاذه الرائع محمد رضا المظفر صاحب كتاب المنطق ،وساعدته تلك الاجواء العلمية والأدبية على التألق في كتابة الشعر،فألقى قصائده الأولى في الاحتفالات الجماهيرية مثلما نشرها في الصحف والمجلات وهو مايزال فتى يافعاً .ونشرت له اول قصيدة عام 1946 في مجلة الدليل النجفية.
خمسة وسبعون عاماً قضاها الغبان متقلباً بين كتب الشعر والمصادر التاريخية المعتبرة،متعرضاً لأمزجة شتى الأنظمة السياسية التي توالت على حكم العراق.في بيته المتواضع المليء بمئات الكتب والمراجع والموسوعات كان لنا معه هذا اللقاء الذي لايمكن بأي حال من الأحوال ان يختزل مسيرة الغبان الحياتية والكتابية .تلك الحياة التي توجت بعشرات العلب وقناني الأدوية الواقفة جنباً الى جنب مع كتبه الأثيرة على نفسه.
الأيام الاولى
-لقد كنت من الطلبة المتقدمين في الدراسة لأني من عائلة حوزوية ، وكنت اتهيأ للبس العمامة ، وكان والدي يتمنى ذلك لانه احد مجتهدي النجف البارزين في ثلاثينيات القرن الماضي ، ولكنني لم أضعها على رأسي خوفاً من عدم اعطائها ما تستوجبه من شروط ، مثلي كمثل صديقي وأخي أسد حيدر ”رحمه الله‘‘صاحب كتاب موسوعة الأمام الصادق((ع)) الذي بقي يلبس الكوفية والعقال حتى توفاه الله تعالى وعمره ثمانون عاماً.ولهذا ارتديت الزي العربي نفسه لسنوات طويلة بمافي ذلك أيام عملي في الصحافة. لقد كانت رغبتنا في الدراسة لا توصف في تلك الأيام ، لقد كنا نطلب الدرس ليلاً ونهاراً. واذكر ان الشيخ المظفر كان يدرسنا ((علم الكلام))،وفي اثناء تلك المرحلة حصلت على كتاب ((شرح التجريد))للشيخ الطوسي،ورجوت من استاذي المظفر ان يدرسنا هذا الكتاب وكنا ثلاثة طلاب فقط، واعتذر الأستاذ لعدم وجود الوقت لديه لمثل هذا العمل. وبعد الحاحنا عليه ،ورغبتنا في طلب العلم، وافق الأستاذ على ان يدرسنا الكتاب بين الطلوعين((الفجر والشمس))فهو الوقت الوحيد الفاضل لدية لالقاء الدروس.وهكذا كنا نخترق أزقة النجف المظلمة قبل الفجر كل يوم أنا والسيد علي الصافي ومحمود المظفر لحضور الدرس ، حتى اكملنا دراسة الكتاب.
الكتاب آلاول
لقد بدأت التأليف في وقت مبكر من حياتك،نرجو ان تحدثنا عن قصة أول كتاب وضعته،والظروف التي احاطت به؟
لقد ألفت اول كتاب في العام 1948،وهودراسة عن جعفر بن ابي طالب((ع))أي قبل تخرجي بعام واحد، وعندما انتهيت من كتابته ،فكرت بمن سيكتب له مقدمة ،اذ كانت كتابة المقدمات للكتب شائعة في ذلك الوقت ، وعندما عرضت هذا الأمر على والدي،طلب مني الذهاب الى خالي الشيخ محمد علي اليعقوبي، ولكني كنت ارغب ان يكتب مقدمة الكتاب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ((رحمه الله))لأنه كان إماماً وعالماً ومجتهداً ومن أهم رجال الفكر في العراق في ذلك الزمن ، فضلاً عن انه كان صديقاً لوالدي وغالباً ماأناديه بكلمة ((عمي)).وحملت مسودة كتابي وذهبت الى الشيخ كاشف الغطاء وأخبرته بموضوع تأليفي للكتاب فبارك عملي هذا واثنى علي ،وما ان طلبت منه ان يكتب له مقدمة حتى فوجئ بالطلب،وقال لي شبه مستنكرماذا؟فرجوته على الفور ان يقرأ الكتاب فان اعجبه فليكتب له مقدمة ، وان لم يعجبه فليتركه على حاله. فأخذمني الكتاب وطلب مني العودة بعد اسبوع. وبعد اسبوع قال لي الشيخ مباركاً:لقد كتبت لك مقدمة مع اني لم اكتب مقدمة سابقاً لمن هم في عمرك. واثنى علي كثيراً . ومماجاء فيها بعد ذكر صفات جعفربن ابي طالب((ع))انه لم يؤلف عنه اي كتاب حتى قيض الله تعالى له هذا الشاب محمد جواد الغبان الذي يعجبك ببراعة اسلوبه وفي انتظام تبويبه ، والكثير من عبارات الاطراء الرائعة.وقد طبع الكتاب لأول مرة في النجف عام 1954،كما طبع في بيروت اكثر من مرة ،وطبع قبل سنة في ايران.
الحياة الدراسية والثقافية
كانت مدينة النجف الأشرف ولاتزال واحة العلم والثقافة،بتعدد مدراسها وعلمائهاومكتباتها ومطابعها،حدثنا على طبيعة دراستك العلمية فيها في ذلك الزمن ؟وعن مراحلها؟وعن مسيرتك العلمية بشكل عام؟
-درست في الحوزة العلمية اللغة العربية وآدابها ،والفقه والاصول على يد نخبة من علمائها الأعلام ،وتخرجت بعد ذلك من ((كلية منتدى النشر))عام 1949.
ثم قمت بالتدريس في هذه الكلية في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بعدها أكملت دراستي العليا في السبعينيات في معهد الدراسات الاسلامية في القاهرة، وقد حظيت هناك برعاية خاصة من قبل عميد المعهد الأمام والشيخ أحمد حسن الباقوري شيخ الأزهر آنذاك.
وبعد عودتي عملت لأكثر من عشرين عاماً في إدارة المدارس الجعفرية ببغداد ،ثم في التعليم الجامعي،وتخرج على يدي مئات الطلبة. وحصلت كذلك على عضوية الكثير من الجمعيات والمنتديات الثقافية في العراق فأنا عضو مؤسس لاتحاد الادباء العراقيين عام 1958 ،ولنقابة الصحفيين العراقيين عام 1959 ،ولم يبق من الاعضاء المؤسسين لهذه النقابة سواي والدكتور جلال الطالباني الذي قال عنه الجواهري نقيب الصحفيين في ذلك الوقت بعدأن رأى ماحصل عليه من اصوات اثناء الانتخابات :سيصبح لهذا الرجل شأن في المستقبل.
كما حصلت على عضوية رابطة الأدب الحديث عام 1964 وأنا رئيس فرعها في العراق ، وحصلت كذلك على عضوية جماعة((ابولو))الجديدة من مقرها في القاهرة عام 1988 وانا رئيس فرعها في العراق ايضاً.
حديث الجوائز
ارجو ان تحدثنا عن الجوائز في حياتك الحافلة بالشعر والبحث والتأليف؟ وهل كانت هذه الجوائز عراقية أم عربية أم عالمية؟
-لي الشرف لأني لم احصل على أية جائزة عراقية بالرغم من مسيرتي الحافلة بالعطاء،والممتدة لأكثر من خمسين عاماً، لأني لم أبع قلمي في أسواق المحافل الأدبية الرخيصة. ولقد جرت محاولات كثيرة لجري الى هذه الأسواق في مطلع السبعينيات ،وتعرضت على اثرها لمضايقات عديدة بسبب رفضي ذلك ،إذ اعتقلت وسجنت في محافظة الرمادي،وابلغت أني سأعدم ،ولكن رحمة الله كانت واسعة. وفضلاً عن الترهيب،كان الترغيب سلاحاً آخر وجه ضدي، اذ زارني أحدهم وقال لي:انك شاعر كبير وصاحب تاريخ حافل ،كيف ترضى لذلك الصابئي ((يقصد عبد الرزاق عبد الواحد ))ان يسكن في قصر من قصور الجادرية بينما تسكن انت في منزل متواضع . كلما نريده منك هو ان تكتب لنا قصيدة فنعطيك سيارة حديثة،ولأنك تحب السفر فسنجعلك تسافر الى اي بلاد ترغب في زيارتها. فقلت له : انا رجل مريض وصحتي لاتتحمل اي شيء وأنا قنوع كذلك ورقدت في المستشفى لأهرب من ذلك الرجل .
واثناء احداث مدينة المحمرة ضغطوا علي لأكتب قصيدة عن الحرب ولكني استطعت الافلات أيضاً.ولم اسجل لوسائل الاعلام اي شيء سوى حديث تلفزيوني قصير ، بعد ان وقعت في فخ وسائل الاعلام اثناء زيارتي لمعرض بغداد الدولي بحثاً عن كتب جديدة . وقد لقنوني بمايجب علي ان أقوله، ولكنني قلت ماأريده شخصياً واعتذرت عن ذلك بكبر سني وضعف ذاكرتي . ولكل هذه الاسباب عتم الاعلام العراقي السابق على منجزي الابداعي ومسيرتي التاريخية طوال عقود من الزمن لابعادي عن ذاكرة الثقافة العراقية .
اما على مستوى الجوائز العربية ،فقد حصلت على جائزة الشعر من مؤسسة البابطين في العام 1990 ،حيث اقيمت لاول مرة .وكان الفوز بهذه الجائزة مفاجأة لي لاني لم اشارك شخصيا فيها .اذ كنت في وقتها ادرس مادة البحوث “كيفية كتابة البحث العلمي” في كلية اللغات .وكانت علاقة العراق متوترة مع الكويت ،ولكن جاءتني برقية من رئيس رابطة الادب العربي في القاهرة الدكتور عبد المنعم الخفاجي جاء فيها ((نهنئكم ونهنئ انفسنا بفوز ديوانكم “انت احلى” بجائزة عبد العزيز سعود البابطين)) .فاتصلت بالدكتور الخفاجي هاتفيا للتأكد من الموضوع فقال لي: ألست عضواً في الرابطة ،لقد قدمنا ديوانك -انت احلى- للمسابقة عن طريق الرابطة ،ولنا الشرف ان اختيارنا كان موفقا جدا ،ففاز الديوان بجائزة الشعر ،وننتظر حضورك لتسلم الجائزة ومقدارها (220) جنيهاً مصرياً .ولم استطع الوصول في موعد توزيع الجوائز ،ولكني وصلت في موعد اخر ،واقامت الرابطة لي حفلا تكريميا في القاهرة مساء يوم الثلاثاء 26/ 6/ 1991 ،بحضور نخبة من اعلام الادب والنقد في مصر .وعندما سألت عن الشهادة التقديرية لمهرجان البابطين قيل لي ان هناك شخصين حضرا المهرجان يوم 17/ 5/ 2005 وانهما كانا يمثلان الوفد العراقي .وتسلم احدهما الشهادة التقديرية ولم نسلمه مبلغ الجائزة لان ذلك يتطلب حضورك شخصيا .واستفسرت عن ذلك الشخص فعلمت انه عبد الرزاق عبد الواحد الذي كان يصحبه عبد الستار ناصر ،ولم احصل على هذه الشهادة حتى يومنا هذا .وانا اعلن هذا السر لان “صدام” وزبانيته ومنافقيه قد انزاحوا عن كاهل ورئة الشعب العراقي .
لقد طبع من ديواني “انت احلى” خمسة الاف نسخة نفدت كلها من الاسواق ولم تبق عندي سوى نسخة واحدة اعطيتها قبل مدة قصيرة لاديبة عربية زارتني في بيتي بحثا عن الديوان .الديوان الذي حصل على الجائزة الاولى بعد ان تقدم لها 240 شاعرا من كل البلاد العربية ولكن تعتيم السلطة المبادة اطفأ البريق الاعلامي للفوز .
العمل الصحفي
اعتقد ،حان الوقت لنتحدث عن مسيرتك في الصحافة ،وهي كما ارى مسيرة طويلة وشاقة ،حبذا لوسلطت لنا عليها بعض الاضواء ؟
- بدأت حياتي الصحفية اوعلاقتي بالصحافة مع بداية قيامي بنشر قصائدي في الصحف والمجلات التي كانت تصدر في ذلك الوقت ،واصبحت محررا في مجلة “البذرة” التي تصدر في مدينة النجف مطلع العام 1948 ،ولقد عملت في هذه المجلة وكان واجبي فحص وتقييم النصوص الشعرية الواردة اليها .
وفي العام 1958 اصدرت بجهود شخصية مجلة “الفكر” الثقافية وكنت صاحب امتيازها ورئيس تحريرها ،فضلا عن قيامي بمهام اخرى كالتصميم والتصحيح اللغوي وغير ذلك .
وبقيت هذه المجلة تصدر حتى عام 1961 واغلقت بسبب تدهور الاوضاع السياسية في البلاد .ولقد كتب فيها خيرة الكتاب العراقيين والعرب امثال الشبيبي والمظفر والجواهري ومصطفى جواد والطاهر والوردي والبصير وكوركيس عواد وصلاح خالص ولميعة عباس عمارة والدكتور مهدي المخزومي واخرين .
اما من العرب فقد كتب فيها امين الخولي وبنت الشاطئ والدكتور عبد القادر القط ورئيف خوري والدكتور احسان عباس وجورج حنا وغيرهم الكثير
كذلك عملت بجد ونشاط على انبثاق وتأسيس نقابة الصحفيين في العراق عام 1959 كما ذكرت لك ذلك .
ونشرت عشرات القصائد والبحوث الادبية والتاريخية في مختلف صحف العراق والبلدان العربية .
خاتمة
بقي علينا ان نقول ان للغبان مجلسا ادبيا كان يقام يوم الاحد من كل اسبوع ،يرتاده الكثير من الادباء والمثقفين ،ويعد من اشهر مجالس بغداد الادبية ،اذ ارتاده وتحاور فيه اشهر الشعراء والمثقفين والباحثين ،وهذا ما قد نسلط عليه الاضواء في لقاء قادم مع الشاعر محمد جواد الغبان اذا شاء الله ذلك .
الشاعر محمد جواد الغبان يروي سيرته
حاوره- علي دنيف حسن
ولد الشاعر محمد جواد الغبان في مدينة النجف الأشرف عام 1930 ونشأ وتربى في ظل والده سماحة المغفور له الشيخ عبد الكاظم الغبان احد مجتهدي الحوزة العلمية في النجف ،وخاله المغفورله الشيخ محمد علي اليعقوبي عميد الرابطة الأدبية في النجف، وتتلمذ الغبان على يد نخبة من اعلام الحوزة العلمية ، كان على رأسهم استاذه الرائع محمد رضا المظفر صاحب كتاب المنطق ،وساعدته تلك الاجواء العلمية والأدبية على التألق في كتابة الشعر،فألقى قصائده الأولى في الاحتفالات الجماهيرية مثلما نشرها في الصحف والمجلات وهو مايزال فتى يافعاً .ونشرت له اول قصيدة عام 1946 في مجلة الدليل النجفية.
خمسة وسبعون عاماً قضاها الغبان متقلباً بين كتب الشعر والمصادر التاريخية المعتبرة،متعرضاً لأمزجة شتى الأنظمة السياسية التي توالت على حكم العراق.في بيته المتواضع المليء بمئات الكتب والمراجع والموسوعات كان لنا معه هذا اللقاء الذي لايمكن بأي حال من الأحوال ان يختزل مسيرة الغبان الحياتية والكتابية .تلك الحياة التي توجت بعشرات العلب وقناني الأدوية الواقفة جنباً الى جنب مع كتبه الأثيرة على نفسه.
الأيام الاولى
-لقد كنت من الطلبة المتقدمين في الدراسة لأني من عائلة حوزوية ، وكنت اتهيأ للبس العمامة ، وكان والدي يتمنى ذلك لانه احد مجتهدي النجف البارزين في ثلاثينيات القرن الماضي ، ولكنني لم أضعها على رأسي خوفاً من عدم اعطائها ما تستوجبه من شروط ، مثلي كمثل صديقي وأخي أسد حيدر ”رحمه الله‘‘صاحب كتاب موسوعة الأمام الصادق((ع)) الذي بقي يلبس الكوفية والعقال حتى توفاه الله تعالى وعمره ثمانون عاماً.ولهذا ارتديت الزي العربي نفسه لسنوات طويلة بمافي ذلك أيام عملي في الصحافة. لقد كانت رغبتنا في الدراسة لا توصف في تلك الأيام ، لقد كنا نطلب الدرس ليلاً ونهاراً. واذكر ان الشيخ المظفر كان يدرسنا ((علم الكلام))،وفي اثناء تلك المرحلة حصلت على كتاب ((شرح التجريد))للشيخ الطوسي،ورجوت من استاذي المظفر ان يدرسنا هذا الكتاب وكنا ثلاثة طلاب فقط، واعتذر الأستاذ لعدم وجود الوقت لديه لمثل هذا العمل. وبعد الحاحنا عليه ،ورغبتنا في طلب العلم، وافق الأستاذ على ان يدرسنا الكتاب بين الطلوعين((الفجر والشمس))فهو الوقت الوحيد الفاضل لدية لالقاء الدروس.وهكذا كنا نخترق أزقة النجف المظلمة قبل الفجر كل يوم أنا والسيد علي الصافي ومحمود المظفر لحضور الدرس ، حتى اكملنا دراسة الكتاب.
الكتاب آلاول
لقد بدأت التأليف في وقت مبكر من حياتك،نرجو ان تحدثنا عن قصة أول كتاب وضعته،والظروف التي احاطت به؟
لقد ألفت اول كتاب في العام 1948،وهودراسة عن جعفر بن ابي طالب((ع))أي قبل تخرجي بعام واحد، وعندما انتهيت من كتابته ،فكرت بمن سيكتب له مقدمة ،اذ كانت كتابة المقدمات للكتب شائعة في ذلك الوقت ، وعندما عرضت هذا الأمر على والدي،طلب مني الذهاب الى خالي الشيخ محمد علي اليعقوبي، ولكني كنت ارغب ان يكتب مقدمة الكتاب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ((رحمه الله))لأنه كان إماماً وعالماً ومجتهداً ومن أهم رجال الفكر في العراق في ذلك الزمن ، فضلاً عن انه كان صديقاً لوالدي وغالباً ماأناديه بكلمة ((عمي)).وحملت مسودة كتابي وذهبت الى الشيخ كاشف الغطاء وأخبرته بموضوع تأليفي للكتاب فبارك عملي هذا واثنى علي ،وما ان طلبت منه ان يكتب له مقدمة حتى فوجئ بالطلب،وقال لي شبه مستنكرماذا؟فرجوته على الفور ان يقرأ الكتاب فان اعجبه فليكتب له مقدمة ، وان لم يعجبه فليتركه على حاله. فأخذمني الكتاب وطلب مني العودة بعد اسبوع. وبعد اسبوع قال لي الشيخ مباركاً:لقد كتبت لك مقدمة مع اني لم اكتب مقدمة سابقاً لمن هم في عمرك. واثنى علي كثيراً . ومماجاء فيها بعد ذكر صفات جعفربن ابي طالب((ع))انه لم يؤلف عنه اي كتاب حتى قيض الله تعالى له هذا الشاب محمد جواد الغبان الذي يعجبك ببراعة اسلوبه وفي انتظام تبويبه ، والكثير من عبارات الاطراء الرائعة.وقد طبع الكتاب لأول مرة في النجف عام 1954،كما طبع في بيروت اكثر من مرة ،وطبع قبل سنة في ايران.
الحياة الدراسية والثقافية
كانت مدينة النجف الأشرف ولاتزال واحة العلم والثقافة،بتعدد مدراسها وعلمائهاومكتباتها ومطابعها،حدثنا على طبيعة دراستك العلمية فيها في ذلك الزمن ؟وعن مراحلها؟وعن مسيرتك العلمية بشكل عام؟
-درست في الحوزة العلمية اللغة العربية وآدابها ،والفقه والاصول على يد نخبة من علمائها الأعلام ،وتخرجت بعد ذلك من ((كلية منتدى النشر))عام 1949.
ثم قمت بالتدريس في هذه الكلية في اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بعدها أكملت دراستي العليا في السبعينيات في معهد الدراسات الاسلامية في القاهرة، وقد حظيت هناك برعاية خاصة من قبل عميد المعهد الأمام والشيخ أحمد حسن الباقوري شيخ الأزهر آنذاك.
وبعد عودتي عملت لأكثر من عشرين عاماً في إدارة المدارس الجعفرية ببغداد ،ثم في التعليم الجامعي،وتخرج على يدي مئات الطلبة. وحصلت كذلك على عضوية الكثير من الجمعيات والمنتديات الثقافية في العراق فأنا عضو مؤسس لاتحاد الادباء العراقيين عام 1958 ،ولنقابة الصحفيين العراقيين عام 1959 ،ولم يبق من الاعضاء المؤسسين لهذه النقابة سواي والدكتور جلال الطالباني الذي قال عنه الجواهري نقيب الصحفيين في ذلك الوقت بعدأن رأى ماحصل عليه من اصوات اثناء الانتخابات :سيصبح لهذا الرجل شأن في المستقبل.
كما حصلت على عضوية رابطة الأدب الحديث عام 1964 وأنا رئيس فرعها في العراق ، وحصلت كذلك على عضوية جماعة((ابولو))الجديدة من مقرها في القاهرة عام 1988 وانا رئيس فرعها في العراق ايضاً.
حديث الجوائز
ارجو ان تحدثنا عن الجوائز في حياتك الحافلة بالشعر والبحث والتأليف؟ وهل كانت هذه الجوائز عراقية أم عربية أم عالمية؟
-لي الشرف لأني لم احصل على أية جائزة عراقية بالرغم من مسيرتي الحافلة بالعطاء،والممتدة لأكثر من خمسين عاماً، لأني لم أبع قلمي في أسواق المحافل الأدبية الرخيصة. ولقد جرت محاولات كثيرة لجري الى هذه الأسواق في مطلع السبعينيات ،وتعرضت على اثرها لمضايقات عديدة بسبب رفضي ذلك ،إذ اعتقلت وسجنت في محافظة الرمادي،وابلغت أني سأعدم ،ولكن رحمة الله كانت واسعة. وفضلاً عن الترهيب،كان الترغيب سلاحاً آخر وجه ضدي، اذ زارني أحدهم وقال لي:انك شاعر كبير وصاحب تاريخ حافل ،كيف ترضى لذلك الصابئي ((يقصد عبد الرزاق عبد الواحد ))ان يسكن في قصر من قصور الجادرية بينما تسكن انت في منزل متواضع . كلما نريده منك هو ان تكتب لنا قصيدة فنعطيك سيارة حديثة،ولأنك تحب السفر فسنجعلك تسافر الى اي بلاد ترغب في زيارتها. فقلت له : انا رجل مريض وصحتي لاتتحمل اي شيء وأنا قنوع كذلك ورقدت في المستشفى لأهرب من ذلك الرجل .
واثناء احداث مدينة المحمرة ضغطوا علي لأكتب قصيدة عن الحرب ولكني استطعت الافلات أيضاً.ولم اسجل لوسائل الاعلام اي شيء سوى حديث تلفزيوني قصير ، بعد ان وقعت في فخ وسائل الاعلام اثناء زيارتي لمعرض بغداد الدولي بحثاً عن كتب جديدة . وقد لقنوني بمايجب علي ان أقوله، ولكنني قلت ماأريده شخصياً واعتذرت عن ذلك بكبر سني وضعف ذاكرتي . ولكل هذه الاسباب عتم الاعلام العراقي السابق على منجزي الابداعي ومسيرتي التاريخية طوال عقود من الزمن لابعادي عن ذاكرة الثقافة العراقية .
اما على مستوى الجوائز العربية ،فقد حصلت على جائزة الشعر من مؤسسة البابطين في العام 1990 ،حيث اقيمت لاول مرة .وكان الفوز بهذه الجائزة مفاجأة لي لاني لم اشارك شخصيا فيها .اذ كنت في وقتها ادرس مادة البحوث “كيفية كتابة البحث العلمي” في كلية اللغات .وكانت علاقة العراق متوترة مع الكويت ،ولكن جاءتني برقية من رئيس رابطة الادب العربي في القاهرة الدكتور عبد المنعم الخفاجي جاء فيها ((نهنئكم ونهنئ انفسنا بفوز ديوانكم “انت احلى” بجائزة عبد العزيز سعود البابطين)) .فاتصلت بالدكتور الخفاجي هاتفيا للتأكد من الموضوع فقال لي: ألست عضواً في الرابطة ،لقد قدمنا ديوانك -انت احلى- للمسابقة عن طريق الرابطة ،ولنا الشرف ان اختيارنا كان موفقا جدا ،ففاز الديوان بجائزة الشعر ،وننتظر حضورك لتسلم الجائزة ومقدارها (220) جنيهاً مصرياً .ولم استطع الوصول في موعد توزيع الجوائز ،ولكني وصلت في موعد اخر ،واقامت الرابطة لي حفلا تكريميا في القاهرة مساء يوم الثلاثاء 26/ 6/ 1991 ،بحضور نخبة من اعلام الادب والنقد في مصر .وعندما سألت عن الشهادة التقديرية لمهرجان البابطين قيل لي ان هناك شخصين حضرا المهرجان يوم 17/ 5/ 2005 وانهما كانا يمثلان الوفد العراقي .وتسلم احدهما الشهادة التقديرية ولم نسلمه مبلغ الجائزة لان ذلك يتطلب حضورك شخصيا .واستفسرت عن ذلك الشخص فعلمت انه عبد الرزاق عبد الواحد الذي كان يصحبه عبد الستار ناصر ،ولم احصل على هذه الشهادة حتى يومنا هذا .وانا اعلن هذا السر لان “صدام” وزبانيته ومنافقيه قد انزاحوا عن كاهل ورئة الشعب العراقي .
لقد طبع من ديواني “انت احلى” خمسة الاف نسخة نفدت كلها من الاسواق ولم تبق عندي سوى نسخة واحدة اعطيتها قبل مدة قصيرة لاديبة عربية زارتني في بيتي بحثا عن الديوان .الديوان الذي حصل على الجائزة الاولى بعد ان تقدم لها 240 شاعرا من كل البلاد العربية ولكن تعتيم السلطة المبادة اطفأ البريق الاعلامي للفوز .
العمل الصحفي
اعتقد ،حان الوقت لنتحدث عن مسيرتك في الصحافة ،وهي كما ارى مسيرة طويلة وشاقة ،حبذا لوسلطت لنا عليها بعض الاضواء ؟
- بدأت حياتي الصحفية اوعلاقتي بالصحافة مع بداية قيامي بنشر قصائدي في الصحف والمجلات التي كانت تصدر في ذلك الوقت ،واصبحت محررا في مجلة “البذرة” التي تصدر في مدينة النجف مطلع العام 1948 ،ولقد عملت في هذه المجلة وكان واجبي فحص وتقييم النصوص الشعرية الواردة اليها .
وفي العام 1958 اصدرت بجهود شخصية مجلة “الفكر” الثقافية وكنت صاحب امتيازها ورئيس تحريرها ،فضلا عن قيامي بمهام اخرى كالتصميم والتصحيح اللغوي وغير ذلك .
وبقيت هذه المجلة تصدر حتى عام 1961 واغلقت بسبب تدهور الاوضاع السياسية في البلاد .ولقد كتب فيها خيرة الكتاب العراقيين والعرب امثال الشبيبي والمظفر والجواهري ومصطفى جواد والطاهر والوردي والبصير وكوركيس عواد وصلاح خالص ولميعة عباس عمارة والدكتور مهدي المخزومي واخرين .
اما من العرب فقد كتب فيها امين الخولي وبنت الشاطئ والدكتور عبد القادر القط ورئيف خوري والدكتور احسان عباس وجورج حنا وغيرهم الكثير
كذلك عملت بجد ونشاط على انبثاق وتأسيس نقابة الصحفيين في العراق عام 1959 كما ذكرت لك ذلك .
ونشرت عشرات القصائد والبحوث الادبية والتاريخية في مختلف صحف العراق والبلدان العربية .
خاتمة
بقي علينا ان نقول ان للغبان مجلسا ادبيا كان يقام يوم الاحد من كل اسبوع ،يرتاده الكثير من الادباء والمثقفين ،ويعد من اشهر مجالس بغداد الادبية ،اذ ارتاده وتحاور فيه اشهر الشعراء والمثقفين والباحثين ،وهذا ما قد نسلط عليه الاضواء في لقاء قادم مع الشاعر محمد جواد الغبان اذا شاء الله ذلك .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق