الأحد، 20 أبريل 2008


ما لا يشبه الحوار أو الإنطباع

صاحب الفضل على الفلاسفة !!
خضير ميري
مع الشيطان في غرفة واحدة
حاوره /علي دنيف حسن

يقولون ما غريب إلا الشيطان ، وما أغرب من الشيطان إلا خضير ميري قلت له :
* لم أسمع انك أسديت حسنة واحدة طوال حياتك لأحد ، فأرجو ان تفاجئ الجميع وتسدي إليَ حسنة واحدة بان تعيرني كتاب ( الكلمات والأشياء) لميشيل فوكو ، فرد عليَ باسماً :
- لا أملك إلا نسخة أصلية واحدة ولن أعطيها لوالدي حتى لو قام من تراب قبره .
كان هذا أول سؤال اطرحه على خضير ميري في أول لقاء لي معه منذ العام 1979 حين كان يسكن مدينة الثورة على بعد ثلاث دقائق سيراً على الأقدام من مسكني .
كان مثلي في ذلك القوت متعلقاً باذيال الفرق المسرحية عاشقاً لبرخت وكوكتو وهنري ميلر وناقماً على ستانسلافسكي وطريقته التي تحنط الأفكار والأشياء . قال لي : من غير المعقول أبداً إننا لم نلتق سابقاً ؟ فقلت له :
_ لقد تحاشيت اللقاء بك كثيراً ، فانت نزق وإنفعالي ولا أريد أن أصبح رقماً جديداً في قائمة أعدائك . فرد عليَ قائلاً :
_ أنا لا أعادي أحداً ، ولا أملك قائمة لأعداء معينيين . أما الذين وضعوني ضمن قوائم أعدائهم فهذا شأن يخصهم بالذات . ..
* هذا هو خضير ميري … أكثر الصعاليك غرابة ونظافة وأكثرهم قدرة على استخدام الأنترنت وإقامة العلاقات مع المثقفين العرب والأجانب ، ويصف نفسه بانه ( القارئ النموذجي ) لأمبرتو أيكو ، ولكن الوسط الثقافي يتهمه بأنه لايقرأ أبداً ، وان تأبطه للكتب الفاخرة والنادرة هو مجرد ديكور يداري من خلاله عجزه المعرفي .
وخضير ميري بعد ذلك صياد حديث ماهر .. يمتلك بلاغة ساحرة في إدارة الحوار والسيطرة على مشاعر الآخر ..
وحين تحدث معه سألته :
*يتهمونك بانك غير مثقف ، وأن ما تكتبه عبارة عن سرقات منظمة لأفكار وكتابات الآخرين ؟ فاجابني ضاحكاً :
- لقد مرَ عليَ اربعون عاماً في الثقافة العراقية ، ولو تعلمت في كل شهر حكمة أو درساً أو عبارة لأصبحت مثقفاً .. ثم من هو المثقف لكي أكون أنا غير مثقف ؟ ومن من قال اني أسرق افكار الآخرين أو كتابات الفلاسفة ؟ وهل هناك وثائق ما ؟ لقد اعطيت لكانت و نيتشه وبيكون وفوكو وسارتر وغيرهم مال لم يعطوه هم لأنفسهم .
* كيف حدث ذلك ؟
- لقد سجلت الكثير من أفكاري ( طابو) بأسماء هؤلاء ، فحين يتبادر الى ذهني اية فكرة أو مقولة أسارع لتسجيلها بإسم كانت أو رولان بارت أو أي اسم آخر من أسماء هؤلاء .. ولهذا اعطيت للفلاسفة ولم اخذ منهم .. !!
* أراك باذخاً في اعطاء الفلسفة شحيحاً بالدراهم ؟ !!
- صدقني . كل ما لديَ من مال أنفقه من أجل الكتاب والكتب .
* إذن .. أطلب لنا قدحين من الشاي على الأقل ؟
- عندما نخرج من هذا المكان سأطلب لك علبة مثلجة من المياه الغازية .
*أنا موافق على ذلك ، أرجو ان تصحح الغازية وتضع بدلاً عنها المياه العرقوبية تيمناً بـ ( عرقوب ) صاحب المواعيدالكاذبة والذي تحمل في جسدك بعض دمائه .
- أنا في الحقيقة غير مفهرس .. بل وغير منظم بالمرة على المستوى الاجتماعي .. لا ألبس ما يعجب الناس .. ولا أعمل مثل ساعة مضبوطة العقارب .. وحين اخرج صباحاً لا أعرف في أي مقام سأحِل .. ولديَ الكثير من الأصدقاء الذين تفهموا وضعي هذا وعشقوه ..
* يعشقون الجنون طبعاً !! ..
- اعتقد ذلك .. الجميع مجانين .. ولكن ما من أحد يعترف بهذه الحقيقة .
* وهل هنالك حقيقة برأيك ؟
- نعم الحقيقة هي أنا خضير ميري .. وانت علي دنيف حسن .
*لكنها حقائق مجنونة !! أنت مجنون مع سبق الأصرار والتفلسف .. كيف حدث هذا ؟
- حدث في وقت مبكر .. منذ طفولتي رأيت العالم مقلوباً
* ولماذا لاتقول أنك أنتَ المقلوب أساساً ؟
- ليس هناك من يحسم هذا الأمر ..
* إلى متى ؟
- إلى ان نموت فنصبح عندئذ حقيقة .
* إذن ، لماذا هربت من الموت إلى التعذيب ، أيهما كان أكثر حقيقة بالنسبة لك .
-الحقيقة التي أنشدها أو نشدتها في كلتا الحالتين هي أن أبقى .
* ولماذا تبقى ؟
_ لأن لدي أعمال كثيرة لم أنجزها بعد .
* مثلاً ؟
- اللقاء بك على سبيل المثال .. وبأخرين أيضاً .
* لكن الجحيم هو الآخرون كما يقول استاذك سارتر !؟
- ليس لدي استاذ .. لقد تبادلنا المقولات منذ زمن بعيد كما قلت لك .. أما الجحيم فهو مشروع ذاتي يصنعه كل فرد ذاتي وفق قياساته ..
* لكن مقولاتك سجلتها بأسم ( سارتر ) ايضاً ؟!
_ صحيح غير أن عشاق الفلسفة هم من سيفرقون بين هذا وذاك ..
* وهل هناك فلسفة لكي يكون لها عشاق ؟
- العشق والفلسفة توامان يرضعان من ثدي واحد .
* هل تعتقد أن الجنون هو عشق + فلسفة ؟
- قد يكون الأمر كذلك او قد لا يكون .
* ولماذا لا يكون ؟
- بسبب إينشتاين .
وخضير ميري شيطان يلعب بالبيضة والحجر ، يقول عنه بعضهم انه كان مخلباً من مخالب النظام السابق ،لاسيمابعد ان ترجمت زوجة النائب العمالي البريطاني ( جورج كلوي) كتابه - ايام الجنون والعسل ـ وإستغل النظام السابق هذا الكتاب للتنصل من جريمة الحصار وإلقاء تبعتها على امريكا واعوانها .كما إستغل خضير ميري كتابه هذا بعد سقوط النظام ليصف نفسه بالمقاتل العنيد والمسرحي الكبير الذي مثل أدواراً بالغة الطيش في ردهات تعذيب الأمن العامة وقاعات وزارة الثقافة والإعلام المكيفة في عهد النظام السابق .. وكانت ذروة المسرحية أو المسرحيات هذه وصوله إلى مستشفى الرشاد للأمراض العقلية أو كما يسميه العراقيون ( الشماعية ) ، حيث حل نزيلاً لا أغرب منه ولا ألذ . وكان الإحتفاء به مروعاً إذ تم كيه بالكهرباء تسعاً وثلاثين مرة . ويقول خضير أن هذه الكيات قادرة أن تصيب حماراً بالجنون . وعن الجنون وعسله المصفى وملابسات هذا الموضوع أجابني قائلاً :
- أيام الجنون والعسل هو يوميات مصحة عقلية كنت سجيناً فيها منذ عام 1986 _ 1991 . وقد وقعت أحداث مريرة في مرحلة حرب الخليج الثانية عندما تعرضت هذه المصحة إلى قصف جوي من قبل الطيران الأميركي أدى إلى هجر المصحة من قبل العاملين فيها وتعرضها للحصار الغذائي والدوائي لمدة 42 يوماً ، وأسفر عن وفاة 400 مريض نفسي وعقلي سجلتها منظمة الصحة الدولية في حينها . وقد قمت بدوري برواية ما حدث باسلوب أدبي أقرب إلى الأسلوب الوثائقي وإنتهيت من العمل فيه عام 1999 وقمت بإصداره بطبعة إستنساخ محدودة وزعتها على الحاضرين في مهرجان المربد الشعري / 1999 . وعلم الشاعر حميد سعيد وكيل الوزارة آنذاك بهذه الوثيقة فطلبها مني شخصياً بواسطة الشاعر رياض قاسم .. وسلمتهم نسخة رديئة في الإخراج الطباعي . وقد قامت دائرة الشؤون الثقافية بطبعها في وقت قياسي جداً .. وكتب عنها حميد سعيد مرتين وعدها إدانة دامغة للعدوان الاميركي . وبالنسبة لي كانت _ ايام الجنون والعسل _ إدانة لكل أنواع الحرب وحظي الكتاب بإهتمام الداعية العمالي جورج كلوي الذي إلتزم أمر ترجمته الى الانكليزية لنشره على نطاق واسع في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية ، وقرأت اكثر من تصريح يؤكد أن النسخة ستكون جاهزة للطباعة بعد أن يراجعها طارق عزيز كمسؤول عراقي .. وما إلى ذلك من التصريحات ..
ولقد سببت هذه العملية إلتباساً في الفهم وفي قراءة النص فهو مكتوب بلغة غير تعبوية ولايتطرق الى أية موقف لصالح النظام العراقي و ضده ، وهذا ما جعل للنص قراءتان ، قراءة النظام العراقي ، وقراءتي له . ولا أدري هل يقع على عاتقي مسؤولية ما حدث .
لقد كتبت كتاباً عن تجربة عشتها بنفسي ولم يخطر ببالي أن كلام المجانين يمكن أن يقع ضمن اهتمام القيادة السياسية ولم أتسلم أية مبلغ عن عملي هذا سوى ثلاثين الف دينار وخمسين نسخة من الكتاب ، واعتقد ان هذا ما يزال مسجلاً في ملفات دائرة الشؤون الثقافية .
* التجربة المريرة هذه كرست خضير ميري وجعلته كاتباً مختلفاً وغريباً عن السرب أوالأسراب العديدة للمثقفين ، لقد كان يهرب من الأقفاص جميعاً ، عن هذا الموضوع ـ أي عن الأقفاص والمختلف والمنحرف اجابني قائلاً :
- يقع موضوع الكتابة فيما أسميه بالمختلف والمنحرف في موضوع المعيوش ، بمعنى ان ذهابي للكتابة الأدبية جاء بتحريض من معيشتي في المصحة النفسية والعقلية ، فلا يذكر لي أي كتابات أدبية سابقة لكتاب ( الجنون والعسل ) أو حكايتي عن الشماعية أو أوراق منزوعة من كتاب الجنون أو النص المطول عن ( آيتيه) إله الجنون عند الاغريق ، وحتى (بوذا ) جعلته مجنوناً ليظن نفسه رسولاً بلا رسالة ونبياً بلا إله وواعظاً بلا أخلاق ، وهو نموذج حي لبطل من هذا الزمان ، وحتى كتابتي لمذكراتي ، وعن رحلتي من التعذيب الى المصحة العقلية ، وروايتي ( الجنون في آذار ) .......
* بعيداً عن هذه الهرطقات ، حدثني عن المختلف والمنحرف بوضوح ؟ ، فما زلت اراك مختلفاً حتى بعد هذا الحديث ..
- أميز في الحقيقة بين المثقف الموظف والمثقف المختلف ، والأول هو الذي شاع في الثقافة العراقية ، وهو ذلك الموظف داخل شخصية مؤسساتية متخدجة غير قابلة للعيش او سلوك ما تفكر به ، وغالباً ما يكون هذا مثقفاً مهنياً مصاباً بمرض الأمية المتطورة والتراكم المعلوماتي ، وهو ينتهي غالباً بأن يكون رئيساً للتحرير أو دكتوراه في اللغة العربية أو الفلسفة وتمر به الحياة سريعاً ليجد نفسه مثقفاً متقاعداً لم يستطيع تأليف كتاب واحد في حياته .
أما المثقف المختلف فهو الذي تورط بالثقافة رغماً عنه . وكبر على الواقع وفرط بالعديد من المسؤوليات ليقرأ جيداً ولا يأكل كثيراً ، مطلقاً لمرة أو لأكثر ، مديوناً في الحانات الليلية ، يكتب بمزاج ويترفع عن النشر ، ينتبه إليه الآخرون ولا ينتبه هو لنفسه ، غالباً ما أقارن هذا النوع من المثقفين بنموذج الفاتحين الكبار في الثقافة العالمية شذوذ رامبو ، ورسالته اللا أخلاقية المبكرة ، داندية بودلير ونزعاته الأوديبية والمثلية ، إزدواجية دستويفسكي والذات الوضيعة لأغلب شخصياته ، والعائلة المفككة عند فلوبير و السخرية المرضية عند فولتير والثورية المبالغ فيها عند ماركس ، وكذلك الكهنوتية القاتمة في أفكار شوبنهاور وروح الإله وحب الأنسان الأعلى عند نيتشه .. الخ هؤلاء نماذج للمثقف المختلف .
فما الذي حصلنا عليه من المثقف الوظيفي .. لاشيء !!..
* واعتقد ان مفاهيم خضير ميري هذه هي التي قادته إلى طلاق زوجته الأولى وقادته كذلك لترك الدراسة الجامعية فخضير ميري دخل ثلاث كليات مسائية هي الفلسفة ، وعلم النفس والمسرح في اكاديمية الفنون الجميلة .
ختاماً ..
ما زال خضير ميري قادراً على إنتاج المقولات والتلاعب بها ، ونسبها إلى أ ي فيلسوف يتبادر إلى ذهنه ، وهو بهذا الفعل إنما يصوغ الفلسفة من جديد ، وقد يكون مدركاً لأفول الفلسفة العتيقة بصدق ، طالما أنه يؤسس لما بعد الفلسفة .
كنت أراه بمعطفه الأزرق الطويل وجسده النحيل ، ونظاراته الدائرية العدسات وهو يتأبط كتبه الثقيلة ليخترق بها الصفوف بخفة ورشاقة .
ورغم أن الكثير من المتابعين يرون فيه لاعباً أو متلاعباً باللحايا الكثة والطويلة لعتاة الفلسفة ، ومتجاوزاً على أسوار أصحاب المقولات ، لأنه غالباً ما يقلب هذه المقولات او يصحفها بفضاضة ساحرة وساخرة إلا أنه مع ذلك يرى أن الأرض ليس فيها شمال أو جنوب حقيقي مئة بالمئة ، لأنك حين تبتعد عن الشمال شمالاً واحداً ستجده جنوباً بعيداً ..
ولهذا لاعجب أن بحثت عنه مرة ثانية او بحث عني هو الآخر لنسجل حواراً ثانياً مثل هذا الحوار .

ليست هناك تعليقات: