الاثنين، 21 أبريل 2008


المظهــر الخارجي .. رســالة علنية قد تكون خاطئة


علي دنيف حسن


في نهاية القرن الثامن عشر كتب احد القناصل البريطانيين المقيمين في العراق رسالة الى حكومة الهند البريطانية يشرح فيها الاوضاع في العراق، ومما جاء فيها: ان عقول العراقيين في عيونهم، فهم يدركون قوة الشخص ونفوذه من خلال مظهره الخارجي، وفات هذا الرجل ان العراقيين ليسوا وحدهم الذين يتسمون بهذه السمة، اذ تشاركهم فيها شعوب كثيرة بعضها في غاية الحضارة. ويمكن عد المظهر الخارجي اول رسالة او هي الرسالة الدائمة والثابتة التي يبعثها اي شخص باستمرار، فهي تنم عن جوهره في كثير من الاحوال، ولكنها مع ذلك قد تكون رسالة غير حقيقية، اذ اثبتت التجارب الملموسة ان الكثير من حملة الحقائب الفاخرة، والكثير ممن يرتدون اربطة العنق اللامعة وكذلك الكثير ممن يحملون بايديهم اجهزة”موبايل “ غالية الثمن قد يكونون اميين وجهلة ولا يعرفون اي شيء عن الحياة والتاريخ والثقافة، هذا اذا لم يكونوا نصابين ومحتالين يتسترون تحت مظهرهم الخارجي.


حركات المودة
يمكن وصف المودة بعملية ملاحقة الناس لما يطرح في الاسواق، وما ينتشر في الحياة العامة من ملابس حديثة وسيارات واجهزة مختلفة من اخر طراز، فالبعض يحاول البقاء في القمة الاجتماعية من خلال ما يرتديه وما يستخدمه من ملابس واجهزة وكماليات اخرى لا تعد ولا تحصى كالعطور والسكائر والمجلات وادوات الحلاقة ومواد التجميل المختلفة.
ويرى الدكتور حاتم الكعبي صاحب كتاب”حركات المودة “ الصادر في اواسط سبعينيات القرن المنصرم ببغداد: ان الطبقات الغنية والمرفهة في اي مجتمع تبحث في الغالب عما يميزها عن عامة الناس، فتعمد الى ارتداء واقتناء كل ماهو نادر وغالي الثمن، ولكن الناس العاديين سرعان ما يحصلون على تلك الاشياء في محاولة منهم للتمظهر بالرقي الاجتماعي، عندها تصبح تلك المقتنيات عادية جدا، وتفقد بريقها فيعمد الاغنياء والمرفهون الى البحث عن مقتنيات جديدة، نادرة وغالية الثمن من جديد، ويتسابق الناس العاديون من جديد من اجل الحصول عليها، وهكذا تستمر حركات المودة في دورانها. ويمكن ملاحظة صدق ما ذهب الى الدكتور الكعبي في كتابه هذا، اذا ما تفحصنا واقع المجتمع العراقي، وما يظهر فيه من سلع وبضائع لها بريقها الخاص، ثم سرعان ما ينطفئ ذلك البريق فاسحا الطريق لسلع وبضائع اخرى، ومع هذا التبدل السريع نجد ان هناك اشخاصا همهم الوحيد هو الحصول على كل جديد وغالي الثمن مهما كلفهم الامر ذلك، وكأنهم يحاولون من خلال هذا السلوك تحقيق ما تحدث عنه القنصل البريطاني قبل اكثر من مائة عام، فهم لا يرون للسلطة والنفوذ طريقا غير الاهتمام بمظهرهم الخارجي.


ولعلم النفس رأي آخر
يرى الكثير من علماء النفس ان اعتداد الشخص بمظهره الخارجي بشكل صارخ ومبالغ فيه ما هو الا محاولة لتعويض النقص الذي يشعره ذلك الشخص في داخله، ولا يعني كون ذلك النقص نقصا حقيقيا او وهما يقترب من صورة وسمات المرض النفسي لدى ذلك الشخص. فالكثير ممن يطلقون شواربهم بكثافة ويجعلونها تصل حتى نهاية الذقن يحاولون اخافة الاخرين لانهم يشعرون بالخوف في دواخلهم، والكثير ممن يحملون الكتب السميكة والموسوعات والمعاجم الفاخرة ويضعون النظارات الطبية على عيونهم قد يعانون من نقص معرفي وثقافي بأبسط الامور.
وهناك الكثير ممن يحملون آلات موسيقية مختلفة اثبتت التجارب انهم لا يجيدون العزف عليها. وهناك الكثيرون ممن يتظاهرون بالكتابة في المقاهي والحافلات وفي اي مكان اخر، كشفت التجارب ايضا ان كتاباتهم غاية في الضحالة وهشاشة الاسلوب، وهناك عشرات الصور والمواقف و التجارب التي اثبتت المظهر الخارجي والسلوك المقترن به قد لا يدل بشكل حقيقي عن حقيقة وجوهر صاحبه.


تناقض واضح
لا يدل المظهر الخارجي عن الغنى والثراء الفاحش كما يتصور البعض من اللاهثين وراءه، فهناك الكثير من الاغنياء واصحاب الاموال الطائلة عاشوا مجمل حياتهم بمظهر يشبه مظهر المتسولين، بل كانوا لا يأكلون من الاطعمة الا ما يأبى اكلها افقر الفقراء، لما كان يتصف به هؤلاء من بخل شديد، بل ان بعضهم ضحى بصحته فكان لا يراجع طبيبا مختصا الا عندما يشارف على الموت، وكان بعضهم قد نام مرات عديدة في ردهات المستشفيات العامة الرديئة الخدمة من اجل ان يحافظ على امواله من الضياع، بل وصل الامر ببعضهم الى انهم كانوا يتراكضون وراء باص المصلحة وسط الجموع الغفيرة والفقيرة، ومات الكثير منهم من دون ان يقتني اية سيارة، ومثل هذه القصص متداولة في المجتمع العراقي، وتقص للفكاهة والتندر في المجالس العامة بشكل مستمر، وهي مع كل ما يقال عنها ظاهرة قديمة، اذ روى لنا الجاحظ في كتابه”البخلاء“ نوادر وطرائف كثيرة عن البخل والبخلاء ما يجعل الدموع تنسكب من الضحك والبكاء، فشر البلية ما يضحك ويبكي ايضا.
واذا كان البخل يعد من ألد اعداء المظهر الخارجي فان هناك ما يعد نقيضا له، لا سيما عندما يلهث البعض وراء المظهر على حساب متطلبات ضرورية مهمة، اذ ان هناك الكثير ممن يعجبنا مظهرهم الخارجي، يعيشون في بيوت وغرف لا تصلح للسكن الصحي، فهي آيلة للسقوط تملأ ساحاتها المياه وطفح المجاري عند هطول الامطار او من دون هطولها، كما ان مشكلة هؤلاء تتعمق عندما لا يعتنون ولا يهتمون بافراد عوائلهم بدءا من آبائهم وامهاتهم وبقية افراد العائلة، وقد تجد بعض ابنائهم في حال يرثى لها من ناحية المأكل والملبس، ولكنهم مع ذلك يحاولون المحافظة على مظهرهم الخارجي، وقد باع احدهم مبردة الهواء الوحيدة للعائلة في عز الصيف في سبيل شراء ملابس جديدة” آخر موديل“.


نعمة ونقمة
طاردت مجموعة من النشالين شابا انيقا يحمل حقيبة فاخرة و”موبايل“ حديثاً ويضع نظارات سوداء على عينيه، من منطقة الشورجة حتى ساحة الميدان، وفي الساحة انقضوا عليه وهم يشهرون اسلحة مختلفة دفعت عابري السبيل الى الهروب من المكان، ولكن المفاجأة كانت، ان الحقيبة التي يحملها الشاب لم تكن تحتوي الا على منشفة بائسة ونعال منزلي، اما الموبايل فكان مجرد هيكل عظمي خال من الحياة، ولم تكن جيوب الشاب تحتوي الا على نقود قليلة تكفيه لدفع اجرة العودة الى المنزل بالسيارات العامة، وامام هذه المفاجأة انهالت المجموعة على الشاب بالضرب بما تيسر لها بالايدي والارجل قائلين له: لقد كنا نتصور انك تاجر او مقاول او مدير عام، ولم نكن نتصور انك ليس اكثر من رجل مفلس.
فالمظهر الخارجي لا سيما المبالغ فيه جدا قد يجلب المصاعب والكوارث، فالكثير من عصابات التسليب تلتقط ضحاياها تبعا لمظهرهم الخارجي، ولما يحملونه في ايديهم من سلع وبضائع وحاجيات، وبقدر ما يشعر الشخص بالفخر والراحة لاناقته المفرطة، فان تلك الراحة قد تصبح جحيما لا يطاق فيما لو تجول هذا الشخص في الاسواق العامة التي تنتشر فيها عصابات الخطف والتسليب مثل الشورجة والسوق العربي وسوق الالكترونيات في الباب الشرقي، والكرادة وبغداد الجديدة وشارع السعدون وغيرها من المناطق، وهي ظاهرة بدأت تستفحل وتنتشر مع تردي الوضع الامني وغياب رجال الامن وانعدام القانون، وقد دفعت المخاوف الكثير من الناس الى الاستغناء عن ملابسهم الانيقة والغالية الثمن لا سيما القماصل الجلدية الثمينة والحقائب الممتازة وغيرها من الاشياء.


خير الأمور أوسطها
اجل خير الامور اوسطها بعيدا عن المظهر الخارجي الصارخ واللافت للانتباه والذي يكون مثارا للغيبة احيانا، يفضل معظم الناس الاحتفاظ بمظهر عقلاني ينم عن التعقل واللطافة والنظافة فهو مدعاة لتجنب الكثير من المتاعب والمزالق ومع كل ما قيل ويقال يبقى المظهر الخارجي رسالة تحتمل الخطأ والصواب في تعبيرها عن حقيقة وجوهر الانسان ويتراوح خطأها وصوابها في درجة المفارقة والتناقض بين جوهر الانسان ومظهره الخارجي، لا سيما بعد ان اصبح المظهر الخارجي غطاء يتخفى تحته المحتالون والادعياء والمنتحلون لصفات رسمية ليست بينهم وبينها اية علاقة اوصلة ومع كل هذا يسقط عشرات الناس ضحايا للمظهر الخارجي.

ليست هناك تعليقات: